ولما كان العقل والوحي وما إليهما من عالم النفس السامية الفاضلة ، وكانت الشهوات والأهواء والزخارف المادية من عالم هذا الحس ، وكان الإنسان ما دام في حياته الدنيا فهو إلى الحس أقرب وبه ألصق ، ولا يقوى على مقاومة هذه الدوافع إلى الشرع إلا بتوفيق رباني ، وإرادة قوية ، ومجاهدة دائمة ، وعزيمة صادقة ، وهو ما يشق على أكثر النفوس . من هنا كان أكثر النوع الإنسانى ماديا دنيويا إلا القليل الذي ملك عنان نفسه ، وقوى على التصرف في عوالم حسه ، واستعان بطاعة اللّه على تثبيت هذا الإيمان الكريم وسلوك هذا المسلك القويم ، وتأمل الإشارة إلى ذلك في قول اللّه تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ
[ المعارج : 19 - 23 ] ، وتأمل دوران هذا المعنى في كثير من الآيات التي ورد فيها ذكر الإنسان .
وانظر كيف أن صوارف الحس ونوازع النفس وتعلق الروح بالمادة لا تزال تحاول أن تصرف الإنسان عن إيمانه لأقل المناسبات حتى بعد أن تثبت العقيدة وترسخ ، وانظر مصداق ذلك في الآية الكريمة :
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 138 ) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 138 ، 139 ] ، وإلى ما كان من بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزوة حنين ، حينما مروا بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها : ذات أنواط ، فقالوا : يا رسول اللّه اجعل لنا ذات أنواط ، كما لهم ذات أنواط . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سبحان اللّه ! هذا كما قال قوم موسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، والذي نفسي بيده : لتركبن سنن من قبلكم » رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي رضى اللّه عنه « 1 » .
تأمل ذلك كله لتعلم صدق هذا الناموس الخالد :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
[ هود : 17 ] وليس معنى أنهم لا يؤمنون أن يكونوا جميعا كفارا ولا شك ، بل يدخل معنى الآية : أن من الناس من لا يؤمنون لا ظاهرا ولا باطنا ، وهم الكفار على اختلاف
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 6 / 285 ، 286 ) والترمذي برقم ( 2180 ) عن أبي واقد الليثي رضى اللّه عنه وقال : حسن صحيح . واسم أبى واقد : الحارث بن عوف . وصححه الألبانى في « صحيح الترمذي » ( 1771 ) .