وقد ردّ القرآن عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم هذه التهمة تهمة الإصغاء إلى الأباطيل والتأثّر بالوشايات ، وقرّر أنه صلى اللّه عليه وسلم يستمع حقّا ، ولكن إلى الخير عن اللّه تبارك وتعالى وعن المؤمنين ، وأن في استماعه هذا رحمة للذين أظهروا الإيمان منهم ، إذ إنه لو أخذ ينقّب عن بواطن أمورهم ، ويفتش عن دقائق أحوالهم ، ولم يعاملهم بظواهر حالهم ، لكان في ذلك حرج شديد عليهم ، واستماعه هذا رحمة لهم ولا شك ، والذين لا يدركون هذه الحقائق ويصرّون على إيذائه صلى اللّه عليه وسلم بالأقوال الباطلة لهم عذاب أليم .
كما أن من أخلاق هؤلاء المنافقين : الجرأة على الأيمان الباطلة والحلف الكاذب ، فهم يدرءون عن أنفسهم بذلك ، ويستجلبون به مرضاة الناس .
روى ابن أبي حاتم عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن غزوة تبوك - الذين نزل فيهم ما نزل - : واللّه إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا وإن كان ما يقول محمد حقّا ( يعنى نفسه ) لهم شرّ من الحمر « 1 » ، فسمعها رجل من المسلمين فقال : واللّه إن ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار ، وسعى بها الرجل إلى نبىّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره ، فأرسل إلى الرجل فدعاه ، فقال : ما حملك على الذي قلت ؟ فجعل يلتعن ( يلعن نفسه ) ويحلف بالله : ما قال ذلك ، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدّق الصادق وكذّب الكاذب ، فأنزل اللّه في ذلك :
( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ )
الآية « 2 » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى مثله ، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس الأنصاري ،
هامش
( 1 ) قائل العبارة هو الجلاس بن سويد . وقد تاب وحسنت توبته . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد ( 4 / 376 ) .
( 2 ) رواه عبد الرزاق في " المصنف " ( 18303 ) عن عروة بن الزبير . وعمير بن سعيد رضي اللّه عنهما . وقد ذكر ابن سعد أن اسمه : عمير بن سعيد ، وذكر ابن حجر أن اسمه : عمير بن سعد . وعمير بن سعيد رضي اللّه عنه ، أمه امرأة الجلاس بن سويد وعمير تربى يتيما في حجر الجلاس ، فسمعه يقول مقولته تلك ، التي كانت سببا في نزول الآيات ، فقال له عمير : أي عم ، تب إلى اللّه ، وأخبر عمير رسول اللّه بما قاله الجلاس ، وكذّب الجلاس عمير بن سعيد ، فأنزل اللّه هذه الآيات تبرئة لعمير وكان صغيرا في السن ، فقال له صلى اللّه عليه وسلم : وفت أذنك . انظر : " الإصابة " لابن حجر ( 4 / 718 ) الترجمة رقم ( 6040 ) و " الطبقات الكبرى " لابن سعد ( 4 / 375 ، 376 ) .