ولو خرجوا ما زادوا المسلمين الشجعان إلا خبالا بالدسائس والمكايد والتوهين وضعف الجلد ، ولمشوا في صفوفهم بالفتنة وبالكلمات الموهنة المؤلمة وبمعانى التّخذيل والانقسام ابتغاء تمزيق الوحدة حتى يعود الجميع جبناء ولا ينفردون هم بهذا الوصف .
وفي الناس من يستمع إلى القول ، ومن يؤثّر في نفسه الحديث فيظنه صدقا وما هو بصدق ، ولكنه يحيك في صدره وينال من نفسه ، ويظهر أثره في فعله ، ولقد ظهر هذا التوهين منهم يوم أحد فقد أشاع عبد اللّه بن أبي - رأس المنافقين - الفتنة في الناس وهم قادمون على عدوهم ، وأخذ ينفث في صدورهم السحر ، ويقول : ما كان لنا أن نخرج ، لقد أطاع محمد الولدان والصغار وعصاني « 1 » ، فيم هذا القتال ولا فائدة لنا من ورائه ؟
ولقد أثّر قوله بعض الشيء ، حتى همّ بنو سلمة وبعض الخزرج بالفشل لولا أن ثبتهم اللّه وفيهما نزلت الآية الكريمة :
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
[ آل عمران :
122 ] ، ولم يلبث عدو اللّه مع هذا أن عاد أدراجه ، وأمثال هؤلاء في الجيوش أو الدعوات أخطر عليها من ألد أعدائها وخصومها ، وهم : دعاة الهزيمة والطابور الخامس الذي يجب أن يستأصل ويباد « 2 » ، واللّه عليم بالظالمين .
ولكن هذا لن يؤثر في الدعوة أو يحول دون النصر وإن كان له خطره وضرره ، وترى أمثال هؤلاء يسرّون بهزيمة أصحابهم ويكرهون لهم الفوز والظهور ، وقتل الإنسان ما أكفره ، ومن الخير كل الخير للجيش والجماعة أن تتخلّص من هذه الأشكال .
ولقد رووا أن خالدا في غزو اليمامة استبطأ النصر ، فصاح به أحد الصحابة : ميّزنا يا خالد فقد أهلكت الناس واحمل بالأنصار والمهاجرين ، ففعل وميّز أهل السّابقة وهم ثلاثة آلاف ، وترك الباقين وهم أضعافهم ، ثم حمل فانتصر وظهر أمر اللّه وهم كارهون ،
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
[ يوسف : 21 ] .
هامش
( 1 ) انظر : سيرة ابن هشام ( 3 / 8 ) .
( 2 ) كتبت في المقال ويبيد ، وقد رأيت أن الأنسب أن تكون ويباد ، واللّه أعلم .