وستر نقائصهم وعيوبهم والرحمة بهم ، وهو رحمة الله للعالمين ، فهم يعتمدون في خلقه الكريم على هذه الصفات ، ولهذا يستأذنون وهم مطمئنون ، ولقد أذن لهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فعاتبه ربّه هذا العتاب الرقيق : عفا الله عنك لم أذنت لهم ، حتى يتبين لك الذين صدقوا فيثق الناس بهم ، وتعلم الكاذبين فتحذرهم وتحذرهم الأمّة ، وفي ذلك حماية لها وتأديبا لهم . ومن هنا كان من الواجب على أصحاب الدعوات ألّا يجاملوا أحدا على حساب مصلحة الدعوة أبدا ، وأن يظهروا الناس على خفايا الكائدين المنافقين ليحذروهم .
تعرّض لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام :
ولقد أطال المفسّرون بمناسبة هذه الآية في موضوع عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، والإجماع منعقد على عصمتهم الكاملة فيما يبلغون عن الله عز وجل ، وفيما يتّصل بصميم الرسالة من قول أو فعل ، أما ما يتصل باجتهادهم فجائز عليهم الخطأ والصواب فيه « 1 » ، وفي ذلك معنى عال من معاني القدوة في التشريع ، ورفع عقيدة التّأليه ، وقد رجع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن رأيه في أحد لرأى أصحابه « 2 » ، وفي بدر لرأى الحباب بن المنذر « 3 » ، وفي تأبير النّخل لقول أهل
هامش
( 1 ) انظر في ذلك : الإحكام للآمدى ، وإرشاد الفحول للشوكاني وغيره .
( 2 ) استشار النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أصحابه في الخروج للقاء المشركين ، وكان رأيه صلى اللّه عليه وسلم أن يظلوا في المدينة ولا يخرجوا منها ، وأن تكون حربا من داخل المدينة نفسها ، بأن يقاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت ، ولكن الشباب الذين لم يخرجوا في ( بدر ) تحمّسوا للخروج ، وكانوا الأغلبية في الخروج ، فنزل النبي صلى اللّه عليه وسلم على رأيهم ، على الرغم من رؤياه التي رآها في منامه ، فقد رأى بقرا تذبح ، ورأى أن في سيفه ثلمة ، وأنه أدخل يده في درع حصينة ، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته ، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون ، وتأول الدرع بالمدينة . والمعلوم أن رؤيا الأنبياء حق ، ولكنه مع ذلك أخذ برأي الأغلبية . روى قصة شورى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في أحد : أحمد ( 4 / 317 ) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ورواه البيهقي في " السنن " ( 10 / 156 ) والحاكم ( 2 / 141 ) وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ورواه عبد الرزاق ( 9735 ) والبيهقي في " السنن " ( 10 / 155 ) عن عروة مرسلا . وانظر : زاد المعاد لابن القيم ( 3 / 193 ، 194 ) وقال محققاه : رجاله ثقات .
( 3 ) استشار النبي صلى اللّه عليه وسلم في بدر عندما سار حتى نزل عشيّا أدنى ماء من مياه بدر ، فقال : " أشيروا علىّ في المنزل " فقال الحباب بن المنذر : يا رسول الله ! أنا عالم بها وبقلبها ، إن رأيت أن تسير إلى قلب قد -