ويدّعى أن نساء بنى الأصفر يفتنه ويشغلن لبّه عن القتال ، وما درى هذا المسكين المغالط أنه بهذا التخلّف قد ترك القتال جملة فسقط في الفتنة إلى الحضيض ، ولهذا كان الرد عليه : ألا في الفتنة سقطوا ، وإن جزاء من سقط في الفتنة جهنم ،
( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ )
.
ومن أخلاقهم : أنهم يحزنون للخير يصيب المؤمنين ، ويفرحون للمصائب تنزل بهم ، ويسرّون هذا الشعور في أنفسهم فلا يظهرونه إلا بعد ظهور النتائج ، ويظلون قبل ذلك يرجفون بالقول الكاذب ، ويختلقون المفتريات والأباطيل ، فإذا انكشف الأمر عن حسنة تصيب المؤمنين تمعّرت لذلك وجوههم ، وظهرت آثار الحزن على أساريرهم ، وإذا واجهت المؤمنين الصادقين إحدى المصائب فرحوا واستبشروا وصرّحوا بمكنون النفاق ، وفخروا بأنهم قد أعدوا للأمر عدته من قبل ، ولم يتورطوا فيما تورّط فيه هؤلاء المؤمنون المصابون ، وقالوا :
قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
[ التوبة : 50 ] .
وظهر مصداق هذا الخلق من هؤلاء المنافقين في غزوة تبوك أيضا ، فقد قعدوا خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يختلقون الأباطيل ، ويشيعون قالة السوء .
روى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : جعل المنافقون الذين تخلّفوا في المدينة يخبرون عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخبار السوء ، ويقولون : إنّ محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا ، وبلغهم تكذيب خبرهم وعاقبة النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فساءهم ذلك ، فأنزل اللّه فيهم :
( إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ )
الآية ، وهؤلاء هم دعاة الهزيمة والتردّد ، والطابور الخامس ، وهم أخطر وأنكى أثرا من الأعداء السافرين .
ولكنّ المؤمنين الحقيقيين لا يهمهم ذلك في شئ ، وأمرهم كله لهم خير ، فإن أصابتهم النعماء شكروا وكان خيرا لهم ، وإن أصابتهم الضراء صبروا ورضوا واحتسبوا فكان خيرا لهم وعليهم « 1 » ، فالأسباب والنتائج بيد اللّه
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
[ التوبة : 51 ] .
هامش
( 1 ) اقتبس الإمام الشهيد هذا المعنى من قوله صلى اللّه عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، وليس ذلك إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " .