عند ربه ، إذ قدم العفو على المؤاخذة فقال :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] وبين وجه الأمر فقال :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
[ التوبة : 43 ] .
المجاهدون والقاعدون :
ثم بيّن القرآن الكريم أن الناس قسمان : " مجاهدون وقاعدون " فالمجاهدون يترقّبون النفير حتى إذا سمعوه طاروا إليه ، لأنهم يؤمنون باللّه فيجاهدون في سبيله ، ويؤمنون باليوم الآخر فيترقبون الجزاء فيه ، ويعلمون أن اللّه سيعوضهم خيرا مما أنفقوا أو فقدوا من نفس أو مال ، وأنهم بهذا الجهاد يتّقون عذاب اللّه تبارك وتعالى فهم يبذلون رغبا ورهبا ابتغاء مرضاة اللّه عز وجل « 1 » .
روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا : " من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه ، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغى القتل والموت . . " « 2 » واللّه عليم بالمتقين « 3 » .
وأما القاعدون فهم أولئك الكسالى الذين يتمحكون في الاستئذان ، وينتحلون الأعذار الواهية فيكون ذلك دليلا على أنهم لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر ، وأن الشك والريب لا زال كامنا في أنفسهم ، فلا يحمل الإنسان شئ على الجهاد كالإيمان ، ولا يقعده عنه شئ كالشك والريبة ، فهم في ريبهم يترددون .
ومن آية تردّدهم : أنهم لم يعدّوا عدّتهم ، ولم يأخذوا أهبتهم ولكنهم ظلوا مترددين ، يسيرون أم يتخلفون حتى غلب على أنفسهم الجبن والضعف فقعدوا ، وفي قعودهم خير كبير للمجاهدين ، فلن يضعف قوة المجاهدين كهؤلاء الضعفاء الرّعاديد ، ولهذا كان من توفيق اللّه لعباده أن صرفهم عن الخروج والجهاد في سبيله .
هامش
( 1 ) يشير الإمام بذلك إلى قوله تعالى :لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ[ التوبة : 44 ] .
( 2 ) رواه مسلم ( 1889 ) وابن ماجة ( 3977 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه .
( 3 ) يبيّن اللّه في الآية :( لا يَسْتَأْذِنُكَ )أن الاستئذان للجهاد ليس من عادة المؤمنين ، كما يقول الزمخشري .
ويقول ابن المنير : وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا ، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه أن يسدى إليه معروفا ، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما ؛ فإن الاستئذان في أمثال هذه المواطن أمارة التكلّف والتكرّه . انظر : الانتصاف من الكشاف لابن المنيّر بهامش الكشاف ( 2 / 274 ) .