تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وقد أخذ الله العهد والموثق على أهل الكتاب أن يبيّنوه ولا يكتموه ، وأن يقوموا به في الناس ويجعلوه ميزانا فيما بينهم وبين غيرهم ، فما أحلّه أحلّوه ، وما حرّمه حرّموه ، وبخروجهم عن هذه القاعدة لعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم :
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
[ المائدة : 78 ، 79 ] .

من أساليب الصد عن سبيل الله [ قديما وحديثا ] :

كما ذكرت الآية : أنّ من أخلاق هذا الكثير من الأحبار والرهبان أنهم يصدّون عن سبيل الله ، ولذلك مظاهر عدة وأساليب كثيرة في القديم وفي الحديث منها : 1 - تغريرهم بأتباعهم وإفهام هؤلاء الأتباع أن زمام التشريع في أيديهم ، وأن سلطة الله قد انتقلت إليهم ، فما أحلّوه في الأرض أحلّه الله في السماء ، وما حرّموه في الأرض حرّمه الله في السماء ، ومن غفروا له فقد غفر الله له ، ومن حرّموه من ملكوت السماء فقد حرمت عليه الجنة ، وهكذا ، وهم بذلك يصدونهم عن أن يتوجّهوا إلى الله العلى الكبير ويسلكوا سبيله القويم بمبرر من إيمانهم . وقريب من هذا ما يفعله بعض الشيوخ من مثل هذه المزاعم يموّهون بها على أتباعهم ، والحلال والحرام حكم الله ، والمغفرة والعذاب بيد الله :
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ آل عمران : 129 ] . 2 - تكذيبهم برسالة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مع معرفتهم إيّاه كما يعرفون أبناءهم ، ووضوح دلائل نبوته في كتبهم ، حتى كان ابن صوريا الحبر اليهودي بالمدينة يقول : والله إني لأعرف محمدا كما أعرف ابني ، ولكن أتذهب النبوة من بني إسرائيل ؟ 3 - ومن هذه الأساليب في العصر الحديث : انتشار إرساليات التبشير في كل مكان من أرض المسلمين وغيرهم تحميها الدول ، وتمدّها الهيئات بالمال الوفير ليفتنوا المسلمين عن دينهم ، وليحولوا دون انتشار الإسلام في الأرض المتعطشة لريّه ، والأقطار المتشوّقة لنوره ، وافتتاح المدارس ، وإنشاء المشافى ودور العلاج ، وإقامة الملاجئ وغير ذلك من الأعمال التي في ظاهرها الرحمة وخدمة الإنسان ، وفي باطنها العذاب والصدّ عن سبيل الله .
نظرات في كتاب الله — صفحة 289 | حسن البنا