يشاء ، والله عليم بالتوبة الصادقة النصوح ، حكيم في قبول هؤلاء التائبين المنيبين إليه ، ليعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .
تكرير للتقرير :
وإنّ القارئ ليلمح في هذه الآيات الكريمة : الإسهاب والإطناب ، وتكرير المعاني والألفاظ ، وقد يقال : إن الإطالة ليست من الإعجاز ، والتكرار ليس من البلاغة ، وهذا خطأ في الحكم عظيم ، فإن البلاغة مراعاة مقتضى الحال ، والإعجاز نفاذ المعاني إلى النفس واستقرارها فيها بصورة لا يصل إليها أسلوب آخر .
والمقام هنا : مقام تكوين وتأسيس وإنشاء للأمة الإسلامية الجديدة ، التي تأذّن الله لها أن تحمل إلى الإنسانية بأجمعها رسالته الشاملة الخالدة الباقية ، وتكوين خير أمة أخرجت للناس ، وذلك لا يتم إلا بتخليصها من كل عناصر الفتنة والضعف والشغب والفساد والتّهدّم مهما كانت التضحيات في هذه الوسائل ، حتى تصير نقية قوية خالصة صالحة ، فاقتضى المقام الإطناب في صفات المشركين والمنافقين ، والتطويل في واجبات المؤمنين المجاهدين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حىّ عن بينة والله سميع عليم ، فهو تكرير للتقرير ، والمكرر في هذا المقام أحلى ، وحكمة الله أجل وأعلى .
تصفية وتخليص :
ولهذا أهاب الحق تبارك وتعالى بالمؤمنين بعد هذا البيان الشافي بأن يستمسكوا بأمرين : الجهاد الحق في سبيله والنّصرة الكاملة ، والبعد التام عن إيذاء الله ورسوله ، وألّا يتّخذ مؤمن وليجة وصلة ومودة ورابطة بينه وبينهم أبدا من دون الله ورسوله والمؤمنين .
وهو تبارك وتعالى خبير بخلجات النفوس ، عليم بخائنة الأعين وما تخفى الصدور ، وبيّن أن تلك سنته الماضية في امتحان أهل الإيمان في كل عصر وزمان ، وأنها تطبق عليهم كما طبقت على غيرهم ، ولن يتركوا حتى يعلم صدق ذلك منهم والله خبير بما يعملون .
القضاء والقدر :
ولقد أدار المفسرون جدلا عنيفا ونقاشا طويلا حول أفعال الله وأفعال العباد ، بمناسبة