يحرم المشركون امتيازاتهم السابقة ، وأن يحظر عليهم حظرا باتا أن يعمروا مساجد الله التي لم تقم إلا لتوحيده وحسن عبادته ، وكان طبيعيّا أن يكون هذا الحرمان أول ثمرة من ثمرات الخصومة والمقاطعة التي أعلنها عليهم الإسلام بعد انتهاء فترة الهدنة
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
[ التوبة : 2 ] .
وشهادتهم على أنفسهم بالكفر معلومة عملا بما يأتون من مظاهره كعبادة الأصنام ودعائها والحلف بها والنذر لها ، واعتقاد النفع والضر فيها ، وقولا بنطقهم بألسنتهم ، فأنت حين تسأل أحدهم : ما دينك ؟ يجيبك : غير الإسلام ، وهي شهادة صريحة منه على نفسه بالكفر ، وإن بعضهم ليسجل هذه الشهادة على أبنائه بتسميتهم بأسماء الأصنام ، فيقال : عبد اللات وعبد العزّى وعبد مناة . . . إلخ ، وكل ذلك داخل في نفس شهادتهم على أنفسهم بالكفر .
ومن كانت هذه حالته : فقد حبط كل عمل له في الدنيا :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
[ إبراهيم : 18 ] .
وجزاؤهم يوم القيامة : الخلود في النار التي وقودها الناس والحجارة .
انتقال هذه الخصائص للمؤمنين :
وبعزل المشركين عن هذه المهمة وإقصائهم عنها تسند إلى أحقّ الناس بها ، وأعرفهم بحقها من المؤمنين الصادقين ، الذين كملت فيهم شرائط الإيمان الظاهرية والباطنية والقولية والعملية . فالقولية : من التصريح بكلمة الإيمان بالله واليوم الآخر . والعملية :
من إقامة الصلاة وهي العبادة البدنية ، وإيتاء الزكاة وهي العبادة المالية ، وخشية الله تبارك وتعالى دون سواه وهي العبادة الباطنية القلبية ، وهي كذلك أغلى ثمرات الإيمان ، وأظهر الأدلة على استقراره في النفوس ، واستيلائه على الجوارح والقلوب ، فهؤلاء الذين توفّرت فيهم هذه الصفات : هم الذين اهتدوا بنور الله وتوفيقه إلى الصراط المستقيم ، وهم أحق الناس بعمارة المساجد والقيام عليها .