بالأذى ، فكفّ أيديهم عنه ، وردهم خائبين وقال قائلهم « 1 » : ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ ، فكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم هو الأعز ، وكانوا الأذلين ، وقضى عليهم وعلى أمثالهم بالبلاء والجلاء ،
وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ
[ الحشر : 3 ] .
وبدأ أهل مكة المسلمين بالقتال في بدر وفي أحد وفي الخندق ، فلقد خلصت لهم العير في بدر - وهم ما خرجوا إلا من أجلها - ولكنّ جهالة أبى جهل أبت عليهم إلا أن يتحدّوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، ويتحرّشوا به ، وينالوا منه ومن أصحابه ثأر ابن الحضرمي ، وأوقدها المغرضون من قريش نارا ، ولم يستمعوا إلى قول حكيمهم وشيخهم عتبة بن ربيعة ، الذي أراد أن يحمل عنهم عارها - إن كان فيها عار - ويعصبوها برأسه إن أرادوا ، فأبت إلا البطر والرياء والحرب ، فكانوا البادئين ، وكانوا لها وقودا والبادئ أظلم .
ومن كانت هذه خلائقهم فلن يقيم معوجهم إلا الحرب .
والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا * فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
تحريض :
ولهذا كان تحريض الحق لعباده على قتال هؤلاء المتمردين تحريضا نافذا مثيرا ، يذيب القلوب الجامدة ويدفع الهمم الخامدة ، أتخشونهم ؟ أتخافون منهم وهم لا شئ والله بيده كل شئ ؟ ! وما دمتم مؤمنين بقدرة الله العلى الكبير وانفراده بالتصرّف في ملكوت السماوات والأرض ، ففيم خشية الناس إذن ؟ لا تخافوهم وخافوا الله وحده ، فذلك مقتضى الإيمان إن كنتم مؤمنين .
وإنّ الله ليعد المؤمنين إن هم فعلوا ذلك - وهم فاعلون - أن يعذّب المشركين بأيدي المؤمنين ، فتكون الغلبة لهؤلاء ، والهلاك والنّكال لأولئك ، وتحل بهم الهزيمة والخزي ، ويكون للمؤمنين الفوز والنصر عليهم ، وبذلك تثلج صدورهم وتهدأ أنفسهم ، ويذهب غيظ قلوبهم ، ومن بقي بعد ذلك منهم وآمن فباب التوبة مفتوح ، ويتوب الله على من
هامش
( 1 ) قائلها : عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق . وهو حديث رواه أحمد ( 5 / 495 ) والبخاري ( 4900 ) ومسلم ( 2772 ) والترمذي ( 3312 ) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه .