ومن وجد في أرض الإسلام من الحربيين أو التجار مثلا فقبض عليه فاعتذر بأنه جاء ليطلب الأمان ، أو بأنه لم يكن يعرف أن التجار يعاملون معاملة المحاربين أمضى له هذا الأمان ، إلا أن يثبت عليه غير ذلك من تجسس ، أو مكيدة حرصا من المشرّع الإسلامي على استبقاء النفوس ، واستمالة الأفئدة إلى الدعوة التي هي المقصود الأول والأخير في الحرب وفي السلم .
[ من له حق إعطاء الأمان ؟ ]
والأمان من حق الإمام أو نائبه بلا خلاف ، وفي إعطاء هذا الحق لغيره تفصيل طويل ، حتى ذهب بعض الأئمة إلى أن الأمان من حقّ كل مسلم حر ، رجلا كان أو امرأة ، أو صبيّا بلغ سن التمييز واحتمل تكاليف القتال « 1 » ، أخذا من قول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم :
" المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم " « 2 » وللعبد المسلم أن يعطى الأمان ، وأمانه نافذ عند قوم بلا شرط ، وعند آخرين بشرط : أن يجيزه سيده ، أو يوافق الإمام على هذا الأمان « 3 » . وليس بعد ذلك تكريم لإنسانية الإنسان ، أو تقدير لوحدة الجماعة وحق الفرد فيها ، كما أن لها في دمه وماله إذا هددها شئ كل شئ ، وذلك قول الله تعالى :
( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . . . )
الآية .
لمن نفى ؟
لا وفاء إلا لمن وفى ، وهؤلاء المشركون الذين ستأتي أوصافهم وقيمة العهود والمواثيق عندهم لا عهد لهم عند الله وعند رسوله ، إلا قبائل من بنى بكر عاهدوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عند المسجد الحرام عام الحديبية - ونقضت قريش وحلفاؤها عهدهم - ولكنهم ثبتوا ،
هامش
( 1 ) بل ذهب أكثر أهل العلم إلى ذلك ، وليس بعضهم كما قال الإمام البنا ، فقد نصوا على : صحة الأمان من كل مسلم بالغ عاقل مختار ، وهذا القول مروى عن : الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق ، وابن القاسم ، وأكثر أهل العلم ، كما قال ابن قدامة . انظر : المغنى ( 13 / 75 ) .
( 2 ) رواه أحمد ( 1 / 191 ، 197 ) والبخاري ( 111 ) و ( 3047 ) و ( 6903 ) و ( 6915 ) والترمذي ( 1412 ) والنسائي في " المجتبى " ( 4744 ) وفي " الكبرى " ( 8682 ) وأبو داود ( 4530 ) وابن ماجة ( 2658 ) والبزار ( 714 ) وأبو يعلى ( 338 ) و ( 628 ) والبيهقي في " السنن " ( 8 / 28 ) والطبراني في " الأوسط " ( 5277 ) وعبد الرزاق في " المصنف " ( 18507 ) عن أبي جحيفة .
( 3 ) انظر : المغنى ( 13 / 75 ) .