الأولية ، أو فتح الأسواق والميادين للتجارة ، وتصريف المصنوعات إلى غير ذلك من أغراض الحرب المادية والاقتصادية ، ولكن الغاية تأمين الدعوة في جزيرة العرب تأمينا كاملا بحيث لا يكون فيها إلا مسلم ، حتى تقوم الدعوة على أمة موحّدة العقيدة ، وعلى دولة محددة الهدف ، فإذا كان هؤلاء المشركون سيذعنون للدعوة ويدخلون فيها ، وآية دخولهم : توبتهم بالندم على ما مضى من كفران ، والمسارعة بالدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان ، وإثبات ذلك عمليّا بالشعيرة الروحية العبادية وهي الصلاة ، وبالشعيرة الاجتماعية المالية وهي الزكاة ، فحينئذ تحققت الغاية المقصودة ، ولا يصح أن يقاتلوا أو يحاربوا ، ولهذا أمر الله المؤمنين بأن يخلوا سبيلهم ولا يؤاخذوهم بما مضى من أعمالهم ، و " الإسلام يجبّ ما قبله " « 1 » إن الله غفور رحيم ، ومن هنا يتضح سمو الغاية التي يقاتل من أجلها المسلم وهي حماية الحق بالقوة .
وقد أطال كثير من المفسرين في الاستدلال بالآية على كفر تارك الصلاة ، واستطرد بعضهم إلى مدلول الإيمان ، وهل يدخل فيه العمل أم هو مجرد الاعتقاد ؟ ودخلوا في تفاصيل وتفاريع تضيع وضوح القصد الأهم في ثناياها ، ولهذا لم نشأ أن ندخل معهم فيها ، وحسبنا أن نعلم أن المسلم لن يكمل له معنى الإسلام ؛ ولن يكون في عداد المؤمنين الصادقين إلا إذا تطهّر وجدانه بالتوبة والعقيدة الثابتة ، وظهر ذلك في أعماله التي أظهرها الصلاة والزكاة « 2 » . وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد « 3 » .
حق الأمان :
ولكل مشرك أن يطلب الأمان ليتفقّه في الدين ، وليسمع الدعوة من كتاب الله تبارك وتعالى ، وعلى المؤمنين أن يتقبلوا هذا الطلب منه ، وأن يجيروه ويسمعوه ، ولا يمسوه بأذى ، ثم عليهم بعد ذلك أن يصلوا به إلى مأمنه مطمئنا معافى ، ثم تجرى عليه بعد ذلك أحكام غيره من الناس .
هامش
( 1 ) حديث رواه أحمد ( 5 / 222 ، 234 ) وابن خزيمة ( 2515 ) والبيهقي في " السنن " ( 13 / 401 ) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه .
( 2 ) لمزيد من التفصيل في هذه القضية ، انظر : تفسير المنار ( 10 / 169 - 176 ) .
( 3 ) مثل عربى معناه : اكتف بالقليل من الكثير ، ولكن يذكر المثل بلفظ : حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق ، انظر : مجمع الأمثال للميدانى ( 1 / 348 ) المثل رقم ( 1035 ) ، وموسوعة أمثال العرب ( 3 / 561 ) .