تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
والإسلام شريعة واضحة صريحة تواجه الواقع وتطوّعه ، ولا تخادع ولا تخاتل ، وقد خبر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم المشركين ، وقاسى العناء الشديد من غدرهم ونقضهم مواثيقهم بعد الحديبية تارة ، وبعد الفتح وتبوك تارة أخرى . كما صبر صلى اللّه عليه وسلم على مؤامرات المنافقين ومداراتهم صبرا طويلا جميلا ، حتى أصبح استمرار هذا الصبر : ضارّا بالدعوة وبالمجتمع الإسلامي الجديد ، فلم يبق بعد ذلك إلا أن يفاصل هؤلاء وأولئك ، وكانت سورة التوبة سورة المفاصلة ، وكان إعلانها على رؤوس الأشهاد ويوم الحج الأكبر سنة تسع من الهجرة . بعث بها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أولا أبا بكر رضي الله عنه ، وقد أمّره على الموسم ، ثم أردفه بعلىّ وأمره أن يكون هو مبلّغ الرسالة « 1 » . وقد أراد قوم أن يستدلوا بذلك على تفضيل علي كرم الله وجهه على أبى بكر رضي الله عنه ، ولا دليل في ذلك على شئ من هذا ، فإنما جرى فيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على سنّة العرب وتقليدهم ، إذ كان من عادتهم : أن يعلن العهد أو ينقض الموثق : زعيم القوم ، أو أمسّ الناس به رحما « 2 » . ولا شك أن عليّا كرّم الله وجهه أمسّ رحما برسول الله صلى اللّه عليه وسلم من الصدّيق رضي الله عنه ، ولا يقتضى ذلك التفضيل المطلق ، والمزيّة لا تقتضى الأفضلية كما يقولون ، ومن الخير للناس : ألا يخوضوا في هذه الأحاديث ، فقد أفضى كلّ إلى ما قدّم ، والفضل بيد الله يرفع درجات من يشاء « 3 » . وقد أدّى علىّ كرم الله وجهه رسالة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بإذن من أبى بكر رضي الله عنه ، قام أبو بكر فخطب الناس ، وحدّثهم عن مناسكهم ثم التفت إلى علىّ فقال : يا علىّ قم
هامش
( 1 ) انظر : الطبري ( 6 / 307 ) . ( 2 ) انظر : فتح الباري ( 8 / 409 ) . ( 3 ) راجع في الرد على من أخذ - من الروافض وغيرهم - من هذا الموقف تفضيل علىّ على أبى بكر رضي الله عنهما : " زاد المسير " لابن الجوزي ( 3 / 391 ، 392 ) وما كتبه العلامة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في " تفسير المنار " حول هذه القضية ، انظر : تفسير المنار ( 10 / 161 - 164 ) وقول الإمام الشهيد : " والفضل بيد الله يرفع درجات من يشاء " اقتباس من قوله تعالى :نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ[ يوسف : 76 ] .
نظرات في كتاب الله — صفحة 237 | حسن البنا