وذهب موسى وقضى هارون فدبّ إليهم داء الأمم ، شاخت الأمة وكبرت وتلهّت عن الحق ، فضعفت ، فسلط الله عليها أعداءها يقضون على حريتها ويخرجونها من ديارها وأبنائها .
تركت بنو إسرائيل التوراة وأحكام التوراة وتشريع التوراة فغزتهم العمالقة ، واقتحموا ديارهم ، واستعمروا أوطانهم ، واستأثروا بها دونهم ، فانظر كيف يكون جزاء الأمم إذا أهملت شأنها ، وخرجت على مقوّماتها .
[ بم تتحرّر الأوطان ؟ ]
أخذ العقلاء من الشعب يفكرون في شأنهم : ما ذا يكون موقفهم أيقرون الذل ويرضون « 1 » بالضيم ؟ أيتركون هذه البلاد نهبا مقسما للغاصبين ، وطعمة سائغة للمستعمرين ، ملكهم ومجدهم وديارهم كل هذه ينسونها ويغفلون عنها ؟ ! كلا ، إن الشعب الحي لا يرضى بالمذلة ، وإذن فلا بد من تخليص الوطن .
وبم نخلص الأوطان من أيدي الغاصبين ، نتحدث إليهم ، نرجوهم ، نتملقهم ، لا ، لأنّ الغاصب لا يفهم لغة الحق ، ولا يذعن لصوت الإنصاف ، وإن حرية الأمم والشعوب لا تنال بالكلمات ، فلا بد إذن من العمل . وما العمل ؟ لا بدّ من القتال ، لا بدّ من الجهاد في سبيل الحقّ المغصوب والمجد المسلوب ، وهكذا رأى زعماء بني إسرائيل أنه لا نجاة للوطن إلا بالقتال في سبيل الوطن .
وهنا لجؤوا إلى نبيّهم وهو المرجع إذا لجّ بهم الأمر ، وهو الزعيم الروحي الذي يتنزل عليه أمر السماء ، رجعوا إلى نبيهم فقصّوا عليه القصص ، وطالبوه أن يختار لهم زعيما عمليّا عسكريّا يقود جمعهم ويرأس كتيبتهم .
وهنا نرى صورة واضحة من وجوب تعاون قوى الأمة في سبيل درء الخطر ، وكيف يجب أن ينهض كل إنسان في الأمة بالناحية التي يحسنها حتى تتناسق النهضة وتؤتى أكلها ، وكان في وسع نبىّ بني إسرائيل أن يدّعى لنفسه القيادة الحربية ، ويلهب الحماس ،
هامش
( 1 ) كتبها الإمام البنا في المقال ( أم يرضون ) والأفضل أن تكون ( و ) كما أثبتها ، لأن ما بعد أم غير مغاير لما قبلها كما نرى في الفقرة .