ووجود الأدعياء في صفوف المجاهدين خطر على كتيبتهم إذ ينهزمون لأول معركة ، فيسرى الخور منهم إلى الشجعان المغاوير ، وإذن فمن الواجب في بناء الكتيبة الأولى أن تكون سليمة اللبنات ، قوية الأسس ، ثابتة الدعائم ، وإذن فلا بد أن يخرج من بين أفرادها ضعاف النفوس ، ومجاهد والأقوال والألسن ، وإذن لا بدّ من الاختبار والابتلاء حتى تتمحص الكتيبة ، ولا يبقى في مواجهة العدو إلا الثابتون المخلصون ، وذلك ما كان .
سار الجيش في مفازة قاحلة واجتاز صحراء قفر ، فأخذ العطش من الجنود كل مأخذ ، وأخذوا يعللون النفس بالماء يروون به الظمأ ، وينقعون به الغلّة ، حتى إذا ما تراءى لهم النهر من بعيد ، ورأوا الماء يلمع ، كأنه المرآة المجلوة ، وأخذوا يتهيئون للرى ، وإذا بأمر القائد العام : ألّا تشربوا ، ولا يباح لكم من هذا الماء إلا غرفة واحدة لمن شاء ، فمن خالف فليعتزلنا وليعتزل كتيبتنا ، وليقعد في بيته ، وكانت تلك أول معركة بين الجنود وبين أنفسهم أولا ، حتى إذا انتصروا على النفوس ، ووثقوا بالعزائم كان ذلك عربون النصر على الأعداء .
بدأت المعركة فلم يثبت فيها إلا قليل ، وصرع الظمأ الأدعياء ، فذابت عزائمهم أمام حرارته ، فانخزلوا عن الكتيبة ، وبقي المجاهدون الثابتون ، وقليل ما هم .
[ النصر بالقلة المؤمنة لا بالكثرة الغافلة ]
لا يضر الكتيبة قلة العدد ما دامت كثيرة الإيمان . وقف خالد في حروب الردة أمام جيش مسيلمة ؛ وفي جيش خالد أخلاط من أهل القرى والبوادي يكثر بهم السواد ، وتذهب مع كثرتهم النجدة ، فلما طال به الأمد ميّز الناس فلم يبق إلا المؤمنين الصادقين من الأنصار والمهاجرين ، فكانت النصرة ، وكان التأييد ، ذلك أن الله لا ينصر بكثرة عدد ولا بكمال عدد ، وله سبحانه وتعالى جند السماوات والأرض ، ولكنه ينصر بالثبات والصبر .
[ من عوامل النصر : الأمل ]
بقي القلائل الثابتون من جيش طالوت وجاوزوا النهر ، وعزموا على مناجزة عدوهم ، وهم يعلمون أن عدوهم كثير العدد ، كامل العدد ، شديد البأس ، وعلى رأسه جالوت القوى الشجاع .