تزداد حتى تتنسّم غوارب المجد « 1 » ، ولا يمكن لأية قوة في الأرض أن تضعف هذه القوة ، أو تنال من تلك الأمة وهي على هذا الحال .
ولا تزال الأمة كذلك بخير حتى تنسى الغاية ، وتجهل المثل ، وتضل المنهاج ، وتؤثر المنفعة والمتعة على الجهاد والتضحية ، وتهن العزائم ، وتضعف الإرادات ، وتنحل الأخلاق ، ويكون مظهر ذلك : الإغراق في الترف ، والقعود عن الواجب ، وحينئذ تأخذ الأمة في الضعف ، ويدب إليها دبيب السقم الاجتماعي ، ولا تزال تضعف حتى تتجدد أو تبيد .
[ سبيل التجدد والإبادة ]
وسبيل التجدّد : أن يتيح الله لها الطبيب الماهر فيهتدى إلى الدواء الناجع ، وتتبعه الأمة في تناول هذا الدواء ، فتموت جراثيم المرض ، وتعود إليها القوة ، وتلك مهمة المصلحين والقادة ، مصابيح الهدى ، وشموس النهضات ، بهم تنجلى كل فتنة عمياء .
وسبيل الإبادة : أن تسدر الأمة في غيّها ، وتظل هائمة على وجهها ، لا تصيح لناصح ، ولا تسمع لمرشد حتى تحين فيها ساعة الفناء .
هذه السّنّة الربّانية في بناء الأمم تقرّرها هذه الآية الكريمة ، فلا بد للمصلحين المجاهدين في سبيل إحياء الأمم ، وإعادة قوتها ومجدها أن يصمدوا لكل خطب ، ويحتملوا آلام الجهاد حتى تتحقق غايتهم ، فيكون جزاؤهم النصر
( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ )
.
ولم تتخلف هذه السنة أبدا في قديم ولا حديث ، حتى مع أفضل الرسل وخير الأنبياء وصفوة الخليقة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الغرّ الميامين ، والله تبارك وتعالى يقول :
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
[ العنكبوت : 1 - 3 ] .
وفي الصحيح : أنّ هرقل حين سأل أبا سفيان عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : هل قاتلتموه ؟
هامش
( 1 ) تتنسم : أي تشم ، انظر : مختار الصحاح 658 . وغوارب : جمع غارب ، والغارب أعلى الشيء ، انظر :
لسان العرب ( 1 / 644 ) . ومعنى الجملة : أي تشم عوالي المجد والعزة .