أخذ الأشراف يعدون أنفسهم للزعامة المنتظرة ، ولكن الزعامة في ساعة الخطر أسمى من المواريث والتقاليد ، وفوق العرف والعادات إنها المواهب وكفى .
استعد الأشراف بحكم منزلتهم ومنصبهم لتلقى راية العبادة من النبي الكريم ، ولكن النبي الكريم عدل بها إلى رجل من عامّة الناس ، إنه أعطى الراية طالوت ، وما طالوت إلا سقّاء أو دباغ من سبط بنيامين الذي لم يتشرّف من قبل بالملك ولا بالنبوة ؟ ! وهنا وقع ما ينتظر من تقلّب النفوس ، وتحرّك الأهواء ، فهبّ الأشراف والنبلاء ينكرون على طالوت حقّه المكسوب ، ويقولون في عزّة وإباء :
( أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ )
.
يا سبحان الله حتى في ساعة الخطر لا يريد الناس أن يتحرّروا من الأوهام ! ولكن النبي الكريم أجابهم في هدأة وسكون : إن الله اختاره لكم لموهبته ، إنه أقواكم جسما والجهاد في حاجة إلى القوة ، إنه أوسعكم علما والجهاد في حاجة إلى العلم ، لهذا اصطفاه الله عليكم ، ولهذا آثره الله بالملك ، ولهذا أيّده الله لأول أمره بأن أعاد إليكم التابوت والتوراة ، وما فيهما من خير تركه آل موسى وآل هارون .
أيّتها الأمة المجاهدة : اختاري الرجال للقيادة ، واجعلى الأساس المواهب والرجولة ، ودعى ما سوى ذلك من المقاييس ، واعلمى أن أساس النهضات : قوة وعلم ، أو عقل وجسم ، يمدهما إيمان ثابت ، ويقين راسخ ، وشعور فيّاض ، فهل أنتم سامعون ؟ ! وبذلك ينتهى الدور الأول من أدوار تكوين الأمة المجاهدة ، فنرى جماعة اتّحدت على المطالبة بحقّها ، وتعاونت قوتها الروحية والعملية في سبيل الوصول إلى هذا الحق ، ووجد القائد الذي ترتكز بيده الراية ومن خلفه الجنود يرقبون ساعة الجهاد ، وسنرى بعد ذلك من أمرهم ما سيكون .
[ جهاد النفس قبل جهاد العدو ]
ها هي الأمة المجاهدة قد سوّت صفوفها ، وأعدت كتائبها ، ووقفت مع قائدها ، تنتظر الأمر ، وترقب النصر ، ولكن هل هذا يكفى ؟ هل مجرّد دعوى المدّعين ترفعهم إلى صفوف المجاهدين ؟ وهل كل من زعم أنه بطل شجاع وعامل مجدّ يكون كذلك إذا جدّ الجد ؟ ذلك ما تثبت التجربة خلافه ، وذلك ما ينقضه تاريخ نهضات الأمم ، وذلك ما يعلم الله أن نفوس البشر لم تطبع عليه .