تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
ضاق الأمر بأحد القواد ، وهمّ بالفرار ، وعظم عليه الأمر في أحد المواقع فما ثبته إلا أبيات ابن الأطنابة :
أبت لي همتي وأبى بلائي * وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإقحامى على المكروه نفسي * وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى أو تستريحى لأدفع عن مآثر صالحات * وأحمى بعد عن عرض صحيح
والصبر من لوازم العقل ، ومن نتائج حسن النظر في الأمور ، فما دام الجزع لا يرد فائتا ، ولا يحيى ميتا ، ولا يغيّر من الواقع شيئا ، فأخلق بالعاقل أن يتحمّل ويتجلّد ، وإليه الإشارة بقول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في كتاب له إلى معاذ بن جبل يعزيه في ابن له توفى ما معناه : " إن ابنك كان من عوارف الله المستودعة لديك ، وقد استرد الله وديعته ، وكتب لك إن صبرت عظيم الأجر ، فلا تجمعن عليك مصيبتين : فقد الابن ، وفقد الأجر " « 1 » . والعارفون يرون الصبر وسيلة إلى رفع الدرجات ، وامتحانا ينتقل به الصابر من منزلة إلى أخرى أرقى منها وأعظم ، فهم لا يعرفون الجزع ، ولا يدركون معنى الفزع .
لا تهتدى نوب الزمان إليهم * ولهم على الخطب الشديد لجام
وهم يرون البلايا والمحن والفاقات وسائل العطايا والمنن ورفع الدرجات ، ويعتقدون أنها أقل أي برهان يعرب به المحب عن حسن استعداده للقرب ، ويقول قائلهم في ذلك : يخفّف ألم البلاء عليك : علمك بأنه تعالى هو المبتلى لك ، فالذي واجهك من الأقدار هو الذي أشهدك حسن الاختيار " « 2 » وما أحسن قول منشدهم :
تلذّ لي الآلام إذ أنت مسقمى * وإن منحتنى فهي عندي صنائع
" وبعد " فالصبر مفتاح من مفاتيح الخير تتنزل به كنوز الأجر الجميل ، وسحابة من
هامش
( 1 ) لم أقف على أصله . ( 2 ) من حكم ابن عطاء الله السكندرى .