فإذا دربت نفسه على الصبر ، وقويت روحه بمقاومة الخوف ، وقوى جسمه بمقاومة الجوع ، وتحرّر من أغلال البيئة وقيود المألوفات تحقّق له قوله تعالى :
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
[ البقرة : 155 ] يبشرهم بحسن الأجر ، وجزيل الثواب في الدنيا بالمناعة التي تخفّف وقع المصائب وفي الآخرة بالنعيم المقيم .
ولما كان أعظم شئ يساعد على الصبر ، ويتقوّى به الإنسان على مرارة هذه التدريبات : اللجأ إلى الله تبارك وتعالى ، وتذكّر الغاية السابقة ، وتمثّل المثل الأعلى ، وقد يهون على المستنجح العمل ، لهذا كان أحسن شعار للمبتلى عند الابتلاء : أن يضع مراقبة الله نصب عينيه ، وأن يهتف من أعماق قلبه مسترجعا ، وأن يحقق معنى قوله تعالى :
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] وفي هذا التركيب العجيب من لطائف اللطائف وعوارف المعارف ما يدق ويرق وما هو بهذا النظام أليق وأخلق .
وحسب الإنسان أن يذكر في محنته أن لله بدأه ، ولله نهايته ليكون لله فيما بينهما :
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
[ آل عمران : 154 ] .
أما البشرى فقد أشارت إلى مضمونها الآية الكريمة في قوله تعالى :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
[ البقرة : 157 ] سمعها عمر رضي الله عنه فقال : نعم العدلان ونعمت العلاوة .
والصلاة من الله على عبد : الثناء والتشريف والتكريم والرحمة والعطف والعفو وإغداق النعم ظاهرة وباطنة ، فالأولى إشارة إلى اللطائف الروحية ، ولهذا عبّر عنها بلفظ الصلاة ، والثانية إشارة إلى اللطائف الحسية وهذه عبر عنها بلفظ الرحمة ، ومن جمع الله له هذه الصفات في الدنيا ، وهذه المنح في الآخرة فقد هدى إلى صراط مستقيم ، ولنا في الصبر وثوابه والدوافع إليه كلمات أخرى إن شاء الله .