كما عرضت الآيات كذلك للطهارة قبلها في آية المائدة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[ المائدة : 6 ] .
وقد أورد القرطبي في هذا الموضع إحصاء لطيفا فقال :
" فهذه جملة أحكام الصلاة وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى ، فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات وبعض صلاة الخوف في هذه السورة ( أي البقرة ) ، ويأتي قصر الصلاة وصلاة الخوف في النساء ، والأوقات في هود وسبحان ( يعنى الإسراء ) والروم ، وصلاة الليل في المزمل ، وسجود التلاوة في الأعراف ، وسجود الشكر في ( ص ) كل في موضعه إن شاء الله " « 1 » .
وفاته رحمه الله أن يشير إلى صلاة الجمعة في سورة الجمعة ، وسبحان من لا تأخذه سنة ولا نوم .
ويلاحظ أنّ ذكر الصلاة في كثير من الآيات يجيء مقرونا بالإيمان أولا ، وبالزكاة ثانيا ، وقد يقرن الثلاثة بالعمل الصالح وهو ترتيب ووضع طبيعي ، فالإيمان أساس ، وهو عمل القلب ، والعمل الصالح مجملا دليل صدق الإيمان ، وهو عمل الحس ، وأول عمل يطالب به المؤمن هذه الصلاة وهي عبادة البدن ، ثم الزكاة والنفقة وهي عبادة المال وضريبة الكسب .
كما يلاحظ أنّ الآيات تطالب بإقامة الصلاة لا بالصلاة مطلقا ؛ لأن المقصود ليس أداء الصلاة أداء شكليا ، ولكن المقصود أداؤها أداء حقيقيّا بكمال صورتها الظاهرة ، وتوفر الخشوع ، وحضور القلب فيها ، وهذا الحضور هو حقيقتها الباطنة .
أما السنة المطهرة ، فقد جاءت مفصّلة لكل ما أجمله القرآن الكريم من أحكامها فأوقاتها وأركانها ، وفرائضها ، وسننها ، ونوافلها ، وكيفياتها ، وكل ما يتصل بها قولا وعملا ، كلها مفصلة في السنة ، وأجمل ذلك رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في قوله : " صلوا كما رأيتموني أصلى " رواه البخاري « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 177 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 631 ) و ( 6008 ) و ( 7246 ) والدارمي ( 1253 ) وابن حبان ( 2131 ) و ( 1658 ) والبيهقي في " السنن " ( 3 / 301 ) و ( 4 / 296 ) وابن خزيمة ( 397 ) و ( 586 ) والبخاري في " الأدب المفرد " ( 213 ) عن أبي سليمان مالك بن الحويرث رضي الله عنه .