السبيل إلى قلبه إذا بدأته بدعواك ، نعم قد توصلك المجاهدة بعد مرور الزمان في إيراد المقدمات البعيدة والأخذ به في الطرق المختلفة ، إلى تقريبه مما تطلب ، ولكن هيهات أن ينصرك الصبر ، أو يخضعه القهر حتى يتم لك منه الأمر ، فمثل هذا إذا عرض عليه القرآن نبا عنه سمعه ، ولم يجمل من نفسه وقعه ، فكيف يجد فيه هداية أو منقذا من غواية ؟
ولما كان الإيمان بالغيب يطلق عند الناس على ذلك الاستسلام التقليدى الذي لم يأخذ اللفظ من اللسان ، وليس له أثر في الأفعال ، لأنه لم يقع تحت نظر العقل ، ولم يلحظه وجدان القلب ، بل أغلقت عليه خزانة الوهم ، ومثل هذا الذي يسمونه إيمانا لا يفيد في إعداد القلب للاهتداء بالقرآن ، لما كان هذا شأنهم منّ اللّه علينا ببيان يشعر بحقيقة ما أراده اللّه تعالى من معنى الإيمان « 1 » . فذكر علامات المؤمنين بالغيب الذين ينتفعون بهداية القرآن بالجمل الآتية « 2 » .
إقامة الصلاة :
( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ )
الصلاة : أصلها في اللغة الدعاء ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن كان مفطرا فليطعم ، وإن كان صائما فليصل " « 3 » أي فليدع ، على الأشهر ، ولما ولدت أسماء عبد اللّه بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قالت أسماء :
ثم مسحه وصلى عليه أي : دعا له « 4 » . ومنه قوله تعالى :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
[ التوبة : 103 ] أي ادع لهم ، وقال الأعشى :
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا * يا رب جنّب أبى الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمض * ى نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
أي : مثل الذي دعوت به ، ومن هذا المأخذ اشتقت الصلاة شرعا ، وقيل : بل هي
هامش
( 1 ) إلى هنا انتهى كلام الإمام محمد عبده ، والجملة التالية للشيخ محمد رشيد رضا .
( 2 ) انظر : تفسير المنار ( 1 / 127 ، 128 ) .
( 3 ) رواه أحمد ( 2 / 544 ) ومسلم ( 1431 ) والترمذي ( 780 ) وأبو داود ( 2460 ) عن أبي هريرة .
( 4 ) رواه مسلم ( 558 ) والطبراني في " الكبير " ( 24 / 119 ) . بلفظ : وصلى عليه ، وقد ذكر الحديث الإمام البنا بمعناه ، وذلك نظرا لنقله من الإمام القرطبي .