وقد ذهب بعض المفسرين إلى قصر طلب الاستعانة على التوفيق في العبادة استئناسا بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أخذ بيد معاذ رضى اللّه عنه وقال له : " واللّه إني لأحبك ! أوصيك يا معاذ : لا تدعنّ دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعنّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " « 1 » ولكن هذا التخصيص لا معنى له وإن كان أفضل الاستعانة ولا شك ما كان على الطاعة والخير وحسن عبادة اللّه .
( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )
الصراط : الطريق ، والمستقيم : المعتدل . والآية من جوامع الكلم كذلك ، فإن الإنسان في حاجة إلى الهداية إلى الصراط المستقيم في كل قول وعمل وفكرة وخاطرة ، لأنه في كل ذلك بين إفراط وتفريط وكلاهما ضار ، والنافع المفيد دائما هو الحد الوسط ، وهو الصراط المستقيم الذي نطلب الهداية إليه من اللّه تبارك وتعالى بهذه الآية ، وهو من الدين ما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ربه بغير زيادة عليه ولا انتقاص منه ولا انحراف عنه .
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ يوسف : 108 ] ،
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] ،
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
[ الشورى : 52 ، 53 ] .
وعن النواس بن سمعان رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " إن اللّه تبارك وتعالى ضرب مثلا صراطا مستقيما على كنفي الصراط زواران - وفي رواية : سوران - لهما أبواب مفتّحة ، على الأبواب ستور وداع يدعو على رأس الصراط ، وداع يدعو فوقه :
( وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
فالأبواب التي على كنفي الصراط : حدود اللّه تعالى ، فلا يقع أحد في حدود اللّه تعالى حتى يكشف
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 6 / 328 ) والنسائي في " المجتبى " ( 1303 ) وفي " الكبرى " ( 9937 ) وأبو داود ( 1522 ) والحاكم ( 3 / 307 ) و ( 1 / 407 ) وابن خزيمة ( 751 ) ابن حبان ( 2020 ) و ( 2021 ) والبيهقي في " الشعب " ( 4410 ) والطبراني في " الكبير " ( 20 / 60 ) والبخاري في " الأدب المفرد " ( 711 ) عن معاذ ابن جبل رضى اللّه عنه وصححه الشيخ الألبانى في ( صحيح أبى داود ) برقم ( 1522 ) .