اعمل ما شئت فكما تدين تدان ) « 1 » . وهو أسلوب القرآن الكريم دائما كما قال تبارك وتعالى :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ
[ الحجر : 49 ، 50 ] .
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
تفسّر العبادة لغة : بأنها الطاعة مع غاية الخضوع . ولكنّ هذا التفسير اللغوي لا يؤدى المعنى المقصود بالعبادة بالضبط . ولا يزال المرء يشعر بأنه في حاجة إلى تعريف أوفى وأدقّ وأشفى للنفس . فقد يطيع الناس الرؤساء والكبراء طاعة تامّة مع غاية الخضوع ، ولا يقال : إنهم عبدوهم بذلك ، والعبادة غير العبودية ، ولا بد من تفريق بينهما ، يشعر بذلك الذوق السليم والطبع المستقيم . وقد ألّم الشيخ محمد عبده في تفسيره بهذا المعنى إلماما جمع وصوّر معنى العبادة تصويرا بديعا يطمئن به القلب ، فقال :
" يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوّا كبيرا حتى يفنى في هواه ، وتذوب إرادته في إرادته ، ومع ذلك لا يسمّى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة ، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنّثين « 2 » القانتين دع سائر العابدين . ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة . فما هي العبادة إذن ؟
هامش
( 1 ) قال الإمام العجلوني في تخريجه : رواه أبو نعيم والديلمي عن ابن عمر رفعه . وأورده ابن عدي أيضا في الكامل ، وفي سنده ضعيف ، وقال في اللئالئ : رواه البيهقي في كتاب الزهد والأسماء والصفات عن أبي قلابة . ثم قال : هذا مرسل . ورواه ابن عدي في الكامل من حديث محمد بن عبد الملك الأنصاري المدني عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ضعف محمد بن عبد الملك . وأخرجه عبد الرزاق في جامعه عن أبي قلابة رفعه مرسلا ( 20262 ) ، ووصله أحمد في الزهد ، لكن جعله من قول أبى الدرداء ، ولابن أبي عاصم في السنة بسند فيه وضّاع عن أنس في حديث أنه قال : يا موسى كما تدين تدان . وفي الحلية عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني أنه قال : مكتوب في التوراة : كما تدين تدان وبالكأس الذي تسقى به تشرب . وفي التنزيل :( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ). انظر : كشف الخفاء للعجلوني ( 2 / 126 ) . ورواه ابن أبي شيبة ( 8 / 167 ) والبيهقي في " الشعب " ( 10664 ) عن أبي الدرداء موقوفا . وضعفه الألبانى في " ضعيف الجامع الصغير " ( 2369 ) وفي السلسلة الضعيفة ( 1576 ) . وهو من أمثال العرب ، انظر :
مجمع الأمثال ( 2 / 132 ) . وقد ذكره الإمام البنا على أنه أثر لا حديث مرفوع ، كما نرى سياق الكلام .
وذكره في موضع آخر على أنه حديث ! وسبحان من لا يغفل ولا ينام .
( 2 ) المتحنث : أي العابد ، انظر : القاموس المحيط ص 215 ، ومختار الصحاح 159 .