تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية . ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها ، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها ، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه .
للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسّلطان الإلهى الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها . ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه ، والأثر إنما يكون عن ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع ، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة . كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانا " « 1 » .
هذا أقوله ملخصا وهو كلام بديع كما ترى يجعل حقيقة العبادة مبعث التعظيم في القلب لا صورتها التي تمثّلها الجوارح .
والاستعانة : طلب المعونة لإزالة العجز ، والمساعدة على إتمام ما يعجز المستعين عن أدائه أو إتمامه بنفسه . وهي في الأمور العادية التي تدخل في حيّز قدرة الإنسان وتصرّفه جائزة بين الناس ، بل هي من القربات التي يتقرّب بها المرء إلى اللّه تبارك وتعالى . " واللّه في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه " « 2 » ، لأنها من الأسباب المشروعة المسنونة لإتمام الأعمال وأدائها .
وذلك بخلاف الاستعانة في الأمور الخاصّة بالله تبارك وتعالى والتي لا يصح أن تطلب من أحد سواه وهي ما يجاوز حد القدرة البشرية كطلب الشفاء بعد استخدام الدواء ، وكطلب النصر على الأعداء بعد إعداد العدة وبذل المستطاع ، وكالاستعاذة بالله من الجوائح والآفات وصنوف البلاء إلى غير ذلك مما هو في يد اللّه وحده ولا يقدر عليه إلا مدبّر الأمر في الأرض وفي السماء .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير المنار ( 1 / 56 ، 57 ) بتصرف .
( 2 ) رواه أحمد ( 2 / 497 ، 535 ) ومسلم ( 2699 ) والترمذي ( 1425 ) و ( 1930 ) وأبو داود ( 4946 ) وابن ماجة ( 225 ) والنسائي في " الكبرى " ( 7285 ) والبيهقي في " الشعب " ( 1695 ) وابن أبي شيبة ( 6 / 247 ) والحاكم ( 4 / 425 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه .