تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ربوبية رحمة وإحسان ، ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات ، فيقبلوا على اكتساب مرضاته منشرحة صدورهم ، مطمئنة قلوبهم . لا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه اللّه من العقوبات في الدنيا وما أعده من العذاب في الآخرة للذين يتعدون الحدود وينتهكون الحرمات ، فإنه وإن سمى قهرا بالنسبة لصورته ومظهره فهو في حقيقته وغايته من الرحمة . لأن فيه تربية للناس وزجرا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم ، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم ، والوالد الرؤوف يربى ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان إليه إذا قام به ، وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال ولله المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون « 1 » .
( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
قرئ : مالك وملك « 2 » . ولكلّ من القراءتين شواهد في كتاب اللّه ، يشهد للأولى قوله تعالى :
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
[ الانفطار : 19 ] ويشهد للثانية قوله تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] . والدين : الحساب ، والمكافأة ، والجزاء . وهو أنسب المعاني في الآية الكريمة . ويوم الدين هو يوم البعث الأكبر للحساب والجزاء
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
[ آل عمران : 30 ] ، ولما كانت الرحمة ليست السبيل الوحيد إلى التربية ، بل لا بد معها من الجزاء حتى يجتمع الترهيب إلى الترغيب ناسب أن يذكر اللّه خلقه بدقيق محاسبته بعد أن ذكرهم بمظاهر رحمته حتى يتمثلوا دائما : أن رب العالمين ؛ الرحمن الرحيم ، هو : مالك يوم الدين ، كذلك الذي سيحاسبهم ويدينهم بما يفعلون . و ( البرّ لا يبلى ، والذّنب لا ينسى ، والديّان لا يموت .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير المنار ( 1 / 51 ) . ( 2 ) كلتا القراءتين وردتا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . يراجع في ذلك : " المصاحف " لابن أبي داود ( 1 / 368 - 374 ) ، وانظر : " حجة القراءات " لأبى زرعة بن زنجلة ص 77 - 79 ، و " التبصرة " لمكى بن أبي طالب ص 250 .
نظرات في كتاب الله — صفحة 142 | حسن البنا