الوجود شئ يسير لا يكاد يقام له وزن كجزيرة صغيرة في وسط محيط عظيم .
ولقد اعترف بذلك وبأكثر منه أكابر علماء الكون ، وسيمرّ بنا من ذلك الكثير ، حتى إن بعضهم ليقول : إنّ من خصائص العالم العصرى : أن يكون متواضعا وجريئا ، متواضعا لأنه لم يصل إلى شئ يذكر من أسرار هذا الوجود ، وجريئا لأن المجهولات التي أمامه من الكثرة بحيث لا يفيد في الكشف عن بعضها إلا الجرأة .
فالتكذيب بمثل هذه السّمعيّات لمجرد أنها لم تدرك بالحواس البشرية مع دخولها في حيّز الإمكان الفعلي ظلم صارخ ، وضلال مبين ، والتأويل تكلّف لا مبرر له ، والإيمان بها مع عدم التكلّف في تصور حقيقتها هو الصّراط المستقيم .
وأمّا ما أحاط بهذه المعاني في بعض الكتب أو الأذهان من صور خرافية ، ومن أقاصيص خيالية ، وأوصاف روائية لم ترد في كتاب ولا سنة ولا ثبتت من طريق صحيح ، فليس من هذا البحث في شئ ، ويجب على كل مؤمن ألا يقيم له وزنا ، ولا يرفع به رأسا .
ومن الناس من يحاول أن يقرّب هذه المعاني إلى أذهان غيره من المتشككين الذين لم تشرق بعد أنوار الإيمان على صدورهم ، فيتصرف في الألفاظ ، ويتجوّز في التصوير ، فعليه إن فعل ذلك أن يردفه بما يفيد تصديقه الكامل بما جاء عن هذه العوالم في القرآن الكريم ، وأن يصارح بذلك أولئك المتشككين ، بعد أن يخطو بهم الخطوة الأولى للإفهام والتقريب ، حتى لا يقف بهم أو يقف معهم في وسط الطريق .
وليست هذه الصورة جديدة في البحوث الإسلامية الدينية ، بل إنها لتتكرر منذ ترجمت الفلسفة ، وأدمجت في علوم الإسلام إلى اليوم ، والموفّق من شرح الله صدره للإيمان فهو على نور من ربه .
أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم :
وبعد ، فلقد سألني أحد الإخوان « 1 » : عن أفضل التفاسير وأقرب طرق الفهم لكتاب الله تبارك وتعالى ؟ فكان جواب على سؤاله هذا هذه الكلمة : " قلبك " .
هامش
( 1 ) ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم : أنه السائل للإمام الشهيد . انظر : كتاب ( الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ) ( 1 / 188 ) .