في ذكر الموت وأحواله ، وما بعده من بعث ونشور وحساب وجزاء :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ، 8 ] .
ثم عرض لصفات الله تبارك وتعالى فوصفه بالكمالات كلها ، ونزّهه سبحانه عن أوصاف النقص جميعا ، ونفى عنه المشابهة لخلقه والمماثلة لغيره :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
[ الإخلاص : 4 ] .
كما جاءت الآيات فيها ذكر الاستواء على العرش ، واليد ، والوجه ، والأعين مضافة إليه سبحانه .
ولا شك أن ما ذكره القرآن من أحوال هذا العالم غير المادي ، ثم من صفات الباري جل وعلا كلها لا تدخل في حدود نواميس المادة ولا قواعد عالمها ، والعقل الإنسانى لا زال إلى اليوم عاجزا عن إدراك ما يحيط بالمادة نفسها من قوى وأسرار فكيف بما هو وراءها ؟ ! ! وهنا المزلق ، فكثير من الناظرين في معاني الكتاب الكريم يعز عليه أن يسلم بوجود شئ لم يصل عقله بعد إلى حقيقته ، فما هؤلاء الجن الذين تخفى علينا حقيقتهم ؟ وما هذه الملائكة التي لا ندري كنهها ؟ وما هذا البعث بعد أن تحللت عناصرنا المادية وردت إلى أصولها الأولية ؟ وما هذه الأرواح المزعومة في هذه الأجساد ، ونحن لا نحس إلا بهذه العوامل المادية تتصرف في أبداننا ؟ فالبرد يؤذينا ، والحر يؤذينا ، والسم يقتلنا ، والطعام يقوينا ، والهواء ينعشنا ، وكلها من المادة ، وهم أمام هذه النظرة الضيقة يزلون ، فمنهم من ينكر ذلك جملة ، ومنهم من يتعسف في التأويل فينكر الحقيقة ويذهب إلى أنها تمثيل أو تخيل ، وكلاهما أخطأ الطريق وضل سواء السبيل .
وهم لو أنصفوا لعرفوا أن من خصائص العالم الألمعىّ « 1 » : أن يعترف بالعجز والقصور فيما لم يصل إليه علمنا .
إنّ ما كشفه العقل الإنسانى إلى اليوم بالنسبة إلى ما لم يكشف عنه من أسرار هذا
هامش
( 1 ) الألمعيّ : هو الذكيّ المتوقّد ، الحديد اللسان والقلب . انظر : مختار الصحاح 604 ، ولسان العرب ( 8 / 327 ) .