وتقرير قواعدهما في النفوس والمجتمعات ، وتعريض لمعاني كتاب اللّه تبارك وتعالى لاختلاف الآراء ، وتضارب المقررات العلمية ، واختلاف أقوال العلماء ، ولهذا كره بعض السّلف هذا المعنى وأشار إليه ، كما فعل الشاطبى في الجزء الثاني من ( الموافقات ) ، وناقشه مناقشة دقيقة خلص منها إلى " أنّ القرآن لم يقصد فيه تقرير لشئ من هذه العلوم ، وإن كان قد تضمّن علوما هي من جنس علوم العرب ، أو ما ينبنى على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب ، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بإعلامه ، والاستنارة بنوره أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا " « 1 » .
ومن المقرّر كذلك : أن القرآن قد تعرض لكثير من مظاهر هذا الوجود الكونية ، فتناول خلق الإنسان ، وتكوين الأرض والسماء ، وجريان الشمس والقمر ، وتسخير الكواكب والنجوم والأفلاك ، وتراكم السحاب ، ونزول المطر ، وظاهرة الرّعد والبرق ، ونمو النبات وتنوع أصنافه ، وعجائب البحار ، وأعلام الطريق ، والجبال الرواسي على هذه الأرض ، وأطوار الأجنّة في بطن أمهاتها ، إلى غير ذلك مما يتناوله علماء الكون بالتمحيص والبيان ، وما هو موضوع بحوثهم ومحل عنايتهم وتجاربهم .
وكثيرا ما تختم هذه الآيات بالحثّ على التعقّل والتفكّر والنظر والتدبّر . وإشارة إلى أن القرآن الكريم لم يقصد بهذا التعرض تقرير أصول هذه العلوم أو تناول فروعها .
ولكنه إنما قصد إلى الهداية ، وتوجيه الأنظار والنفوس إلى ما تدل عليه من عظمة الخالق وفائدة المخلوق .
ولكن الذي لا يمكن أن يكون محل نزاع هو أنّ القرآن حين أشار إلى هذه النواميس الكونية والمظاهر الوجودية المادية ، كان من دقة التعبير وصدق التصوير بحيث لا يمكن أبدا أن يصطدم بما يكشف العقل الإنسانى عنه في أطواره المختلفة من حقائق هذه العلوم ومقرراتها ، وخصوصا إذا لاحظنا أن هذه المقررات العلمية تنقسم إلى قسمين : قسم تظاهرت عليه الأدلة ، وتوافرت الحجج حتى كاد يلحق بالبديهيات ، وقسم لا زال في طور البحث العلمي ، وكل الذي بين يدي العلماء الكونيين منه فروض تؤيّدها بعض القرائن التي لم ترق إلى مرتبة الأدلة القاطعة أو الحجج المقنعة .
هامش
( 1 ) انظر : الموافقات للشاطبى ( 1 / 389 ، 390 ) تحقيق الشيخ عبد اللّه دراز طبعة دار المعرفة - بيروت .