تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤

ب - في العلوم الكونية

« 1 » : من المقرّر : أنّ القرآن الكريم لم ينزل ليكون كتاب هيئة أو طب أو فلك أو زراعة أو صناعة ، ولكنّه كتاب هداية وإرشاد ، وتوجيه اجتماعي إلى أمّهات المناهج الاجتماعية ، التي إذا سلكها الناس سعدوا في دنياهم ، وفازوا في آخرتهم ، وهو إنما يعرض للعلوم الكونية ، ولمظاهر الوجود المادية الطبيعية بالقدر الذي يعين على الإيمان بعظمة الخالق جل وعلا ، ويكشف عن بديع صنعه ، وعمّا أودع في هذا الكون من المنافع والفوائد لبنى الإنسان ، حتى ييسر لهم بذلك طرائق الاهتداء إلى الاستفادة من هذه الخيرات في الأرض وفي السماء وفيما بين ذلك ، ثم ترك بعد ذلك للعقل الإنسانى أن يجاهد ويكافح في سبيل الكشف عن مساتير هذا الوجود ، والاستفادة ممّا فيه من قوى ومنافع ، وحثّ على ذلك ، وجعل هذا من أفضل العبادة ، وأعلى أنواع ذكر اللّه :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ يونس : 101 ] .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
[ آل عمران : 190 ، 191 ] . ولقد ذهب كثير من المؤلفين في القديم والحديث إلى أنّ القرآن الكريم قد تضمّن كلّ أصول العلوم الكونية ، وحاولوا أن يصلوا إلى ذلك بتطبيق آيات الخلق والتكوين وما إليها على ما عرف الناس من هذه العلوم . ومن هؤلاء : الإمام الغزالي قديما في ( جواهر القرآن ) ، والشيخ طنطاوي جوهري حديثا في تفسير ( الجواهر ) ، والدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه عن ( القرآن والطب ) ، وأمثالهما . وهو جهد مشكور ولا شك ، ولكنه تكليف بما لم يكلفنا اللّه به قد يصل في كثير من الأحيان إلى التكلّف ، وخروج بالقرآن عما نزل له من الهداية والإصلاح الاجتماعي ،
هامش
( 1 ) من هنا إلى نهاية المقال من المقدمة التي كتبها الإمام في التفسير في مجلة ( الشهاب ) والتي انتهى فيها إلى ما كتبه عن القصص والمعجزات ، وألحقت ما كتبه تحت عنوان : هي فتنة بلا شك فلتحذرها الأمة .