تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
الكون « 1 » . فالعلم لم يترق إلى إدراك كنه هذه الحقائق إلى الآن ، ولا نزال نعيش بين الأوهام والفروض فيما يتعلق بهذه الناحية ، ونحيل الأستاذ إلى ما نقله هو عن شارل ريشيه وجيو وفلا مريون ، وغيرهم من أقطاب هذا العلم من اعترافهم بقصوره عن إدراك حقائق هذه النواميس ، واشتغاله بتفهم ظواهرها وآثارها فقط . وإن كان الاصطدام بين العلم والنص في آثار هذه النواميس وظواهرها ، فإنّ عدم الاصطدام إنما يكون بإلزام العلم وحده ، وبيان قصوره عن الإحاطة بجملة نظام الكون ، ودقائق أسراره لا بأن نفرّ من الميدان ، ونتجاهل الآثار التي ذكرتها الأديان . وأوضح مثال لذلك المعجزات ، فالدّين يثبت أن موسى انقلبت عصاه حية تسعى ، وعيسى نفخ في الطير فصار طيرا بإذن اللّه . والعلم لا يقرّ ذلك لأنه خارج عما أدرك من النظم والنواميس العادية . فالأستاذ يريد ألّا يصطدم بهذا العلم فيقول : نحن لا ندرك كيفية الانقلاب ، ولا كيفية النفخ ، ولا كيفية حياة هذا الطير الذي نفخ فيها عيسى ، وإنما نؤمن به كما ورد ، لأنه من المتشابهات ، ويظن أنه بذلك لا يصطدم بالعلم الحديث ، وما درى أنه ترك له الميدان ، وانهزم على طول الخطّ ، ووقف وقفة جامدة تهزم الدين وبنيه أشنع الهزيمة . أما نحن فنقول لهذا العالم : على رسلك « 2 » ، إنك لم تحط بكل نواميس الكون ، فهل هناك ما يمنع أن تكون هذه المعجزات جاءت على ناموس لم نعلمه ، بل نذهب إلى أبعد من ذلك وأوضح ، فنقول لهذا العالم : ولما ذا لا يكون من النواميس الكونية أن اللّه إذا أرسل رسولا فكذبه قومه خرق له النواميس العادية ، فأتى بما لم يستطع غيره الإتيان به ، ولا شك أنّ العلم الصحيح سيسلّم بهذه النظريات حتى يأتيه مصداق قوله تعالى :
هامش
( 1 ) لا يجوز أن يطلق على اللّه عز وجل مثل هذا الوصف : مؤسّس الكون ، لأن أسماء اللّه عز وجل وصفاته توقيفية ، وبالطبع لم يقل الإمام البنا هذه الكلمة مقرّا بها ، بل ذكرها على لسان كاتب المقال ، وإلا ؛ فالإمام البنا يرفض أن تطلق مثل هذه الأوصاف على اللّه عز وجل ، من نحو : مهندس الكون . . . الخ ، كما بين ذلك في رسالته ( العقائد ) من مجموع رسائله ص 387 طبعة المؤسسة الإسلامية ببيروت ، وهذه الرسالة كانت مقالات نشرت في نفس المجلة . بل في إن رأيه في عدم جواز إطلاق مثل هذه الأوصاف على اللّه ، مما لم يرد بها نص : كان في مقالاته السابقة لهذا المقال مباشرة ، فلينتبه لذلك . ( 2 ) أي اتئد ولا تتعجل . انظر : مختار الصحاح ص 242 ، ولسان العرب ( 11 / 281 ، 282 ) .
نظرات في كتاب الله — صفحة 102 | حسن البنا