تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ فصلت : 53 ] . أما بعد ؛ فهؤلاء ثلاثة من شيوخ البحّاثين في هذه الأمة ، وكبار كتّابها ضلّ بهم الفكر ، وزاغ بهم البحث ، فتركوا الجادّة ، وتنكّبوا الطريق « 1 » ، وطلعوا على الناس بما لا يتفق مع أحكام الإسلام وقواعده ، وقوانين تفسير القرآن وتفهّمه ، وكأنّ اللّه تبارك وتعالى لم يقل :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[ يوسف : 2 ] . وقد سبقهم غيرهم بمثل قولهم ، تشابهت قلوبهم ، وما أتى القوم إلا من ناحية واحدة : هي أنهم أرادوا أن يحصروا قدرة اللّه وتصرّفاته في دوائر عقولهم ، وفي حدود هذه النواميس العادية التي جهلنا فيها أضعاف ما علمنا ، واللّه تبارك وتعالى أكبر من ذلك وأجلّ ، ولو سمت المدارك ، وصفت الأرواح ، لعلموا أنّ من آحاد الناس من استطاع أن يقهر هذه النواميس المتعارفة ، فكيف بالرسل والأنبياء ، فكيف بالحقّ تبارك وتعالى . اللهم قنا شرّ الحجاب ، وتنكّب الصّواب . هي فتنة بلا شك ، وفي الأمة كثير من هذا الصّنف ، وما انتدبنا للكتابة في هذا الموضوع إلا لنكشف للأمة النقاب عما يشاع فيها من هذه الآراء المنحرفة ، حتى تتّخذ الحيطة ، وتستمسك بالكتاب ، ولا تغترّ بشخصيات الكاتبين وما لهم من شهرة في عالم الكتابة والتأليف ، فقد أصبحنا في زمن كله فتن وأهواء تتجارى بأصحابها كما يتجارى الكلب بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ، ولا نجاة إلا بالاعتصام بحبل اللّه المتين ، وكتابه المبين ، وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن نتفهّمهما كما كان تفهمهما النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه في سهولة وبساطة ؛ بغير نظر إلى وجوه التأويل ونواحي الخلاف ، ثم نتوجه إلى ما يوجّهنا الدين إليه ، مستعصمين بالإيمان وصالح الأعمال ، وإنّ أكبر ما أتمناه لهذه الأمة : أن يرزقها اللّه حسن فراسة ، تميّز بها بين العدوّ والصّديق ، والمبطل والمحقّ .
هامش
( 1 ) تنكبوا : أي عدلوا ومالوا . انظر : مختار الصحاح ص 678 ، ولسان العرب ( ) . والمعنى هنا : أنهم ضلوا الطريق الصواب ، وابتعدوا عنه .