الطير ، وتجنيد الجن والإنس ، وتسخير الريح والشياطين ، أهذه هي الأخرى ألفاظ حقيقية أم لها معان لم يعرفها العرب بعد ؟
فإن استساغها عقل حضرته بمعانيها الظاهرة ، فليس خطاب النملة للنمل إلا واحدا من هذه ، وربما كان أقلها ، وإن كان لها عند حضرته معان أخر فليأت بها . ثم بعد إتيانه بها أنا واثق أنها لا تمتّ إلى معاني القرآن الكريم ولا أغراضه ومقاصده بصلة .
وتصدّى كاتب كبير للرد على العالم الكبير فكان خلاصة ردّه : أنّ القرآن محكم ومتشابه ، وأن المتشابه : هو الذي لا نستطيع أن نعلم معناه ، أو ندرك حقيقته ، وأنّ علينا أن نؤمن بالمتشابه كما ورد ، وأننا بذلك نتخلّص من الاصطدام بمفردات العلوم الحديثة ، ونتائج البحوث العقلية ، وأن من المتشابه : معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقصصهم ، وما ورد عن النعيم والعذاب وشؤون اليوم الآخر .
فأمّا أنّ في القرآن محكما ومتشابها فمسلّم ؛ لأن اللّه تبارك وتعالى قال ذلك « 1 » .
وأمّا أنّ المتشابه هو الذي لا نستطيع أن نعلم معناه ، فمحل خلاف بيننا وبين حضرة الأستاذ ، وبين علماء التفسير بعضهم وبعض ، ولنتناس هذا الخلاف مؤقتا ، ونساير الأستاذ في تعريفه للمتشابه ونسلّمه له جدلا على أن نعود إليه في مقال آخر إن شاء اللّه تعالى .
ولكن الذي لا نستطيع أن نسلّمه لحضرته هو أن قصص الأنبياء ومعجزاتهم ، وما ورد عن النعيم والثواب ، وشؤون اليوم الآخر ، وهو ما يربو على نصف القرآن من المتشابه الذي لا نعلم معناه ، ولا نعرف المقصود به .
فأنت إذا قرأت قصة يوسف ، أو قصة هود ، أو قصة صالح ، أو غيرها من قصص الأنبياء : فهمت المراد ، وعرفت المقصود ، وأدركت وجوه العبرة ، وتفصيل العزة ؛ ولأمر ما قال اللّه تبارك وتعالى :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
[ هود :
120 ] ، وقال تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ يوسف : 111 ] .
هامش
( 1 ) يقصد الإمام قوله تعالى :هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ[ آل عمران : 7 ] .