متّصل بالتاريخ ، فهو يريد أن يقول : إنّ رعاية الناحية الفنية عند الأديب المجرّد لا تستلزم صدق الرواية ولا صحة الواقعة ، وهذا حق ، بل إنه كثيرا ما يتجلى فن الأديب المبتكر من الحوادث والمتخيّل من الروايات أكثر مما يتجلّى في رواية الوقائع الصادقة الحقة ، بصرف النظر عما يقوله المربون وعلماء النفس في خطر هذا الأسلوب على التكوين الفكري والنفساني للأشخاص ، ثم هو يريد بعد هذا أن يجرّد من نفسه أديبا بعيدا عن كل اعتبار آخر ، ويجرّد من القرآن كتاب أدب بعيدا عن كل اعتبار آخر كذلك ، وينظر فيه على هذا الأسلوب بصرف النظر عن صدق هذه القصص ومطابقتها للواقع والتاريخ أو مخالفتها لذلك كله .
ولو قال : إنه يتخذ هذا البحث وسيلة إلى إثبات سمو الناحية الفنية في كتاب اللّه وعمقها ، وإنه مؤمن بالقرآن الكريم ، يصدّق بأن هذه الوقائع جميعا لا بدّ أن تكون حقائق تاريخية ، وذلك مما يزيد في روعة التصوير ودقّة الفن . ولا عجب فهو ( صنع اللّه الذي أتقن كل شئ ) لو قال هذا لاستراح وأراح ، ونفى عن نفسه وعن الذين يقرءون له : لوثات « 1 » الزيغ والضلال ، وقل مثل ذلك في مثل هذه المناحى جميعا .
هذا من حيث التاريخ والأدب مع القصص القرآني والحوادث التاريخية فيه ، أما المعجزات والقصص الغريبة التي لم تأت على حسب مألوف الناس . ووفق ما يعرفون من النّواميس العادية ، كقصة أهل الكهف ، وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها . فذلك بحث آخر سنفرده بالكلام في أولى مناسباته إن شاء اللّه ، وإنما نقصد إلى التنبيه لمثل هذا المزلق وللاستقراء بعد ذلك موضعه بتوفيق اللّه .
هي فتنة بلا شك فلتحذرها الأمة ، ولتستمسك بالقرآن « 2 » :
منذ شهور قابلت كاتبا معروفا يكتب عن الإسلام كثيرا ، ويرد على الملحدين أحيانا ،
هامش
( 1 ) لوثات : جمع لوثة ، وهي الحماقة . انظر : لسان العرب ( 2 / 185 ) .
( 2 ) نشرت في مجلة ( جريدة الإخوان المسلمين ) الأسبوعية في العدد ( 14 ) من السنة الأولى الصادر في يوم الخميس 24 من جمادى الأولى سنة 1352 ه . وهذا المقال لم يكن في صلب المقال الذي كتبه الإمام كمقدمة للتفسير في مجلة ( الشهاب ) ، ولكني وضعته هنا لاتّحاده في الموضوع ، ولأهميته كذلك . وقد عنون الإمام المقال بالعنوان المكتوب ، ثم كتب تحته قوله تعالى :وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ[ الأعراف : 170 ] .