ودار بيننا حديث حول العقائد والآراء . فكان من آراء هذا الكاتب : أن ما ورد في القرآن الكريم من معجزات الأنبياء ليس خارقا للعادة ، ولكنّه مبنىّ على قواعد علمية عرفها الأنبياء ولم يعرفها الناس الذين كانوا في زمنهم ، وضرب لذلك مثلا بانفلاق البحر لموسى وقال : إنّ هذه ظاهرة طبيعية بسيطة لا تتجاوز نظرية المد والجزر التي صار يعرفها صبيان المدارس في علم الجغرافيا ، فموسى علم أن البحر سينجزر ماؤه على شاطئ السويس ، فانتهز هذه الفرصة ، واجتاز الماء بقومه ، وفرعون جاء من بعد ذلك في وقت [ المدّ ] فغرق هو وقومه ، ويكون الإعجاز : أن موسى عرف هذه الظاهرة ، وغيره لم يعرفها . وأثنى على الشيخ أبى زيد وكتابه خيرا ، وعابه بأنه لم يجهر بهذه الآراء ، ولم يوضّحها كما يجب .
فقلت له : إنّ عبارة القرآن ليست كذلك ، فإن اللّه تعالى يقول في سورة الشعراء :
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 61 - 67 ] .
فقال : إنّ هذا تصوير القرآن البليغ ، وخطابته المؤثرة ، وإلا فليس هناك ضرب بعصا ، ولا انفلاق ولا طرق ومسالك ، وإلا هي الاستعارة التمثيلية والبلاغة الخطابية .
فقلت له : لو سلمت لك جدلا بأن معجزة موسى في انفلاق البحر كانت ظاهرة طبيعية أساسها المد والجزر ، فما قولك في معجزته في انقلاب العصا حية ؟ وما قولك في معجزات عيسى الكثيرة ، ومنها ما حكاه القرآن في سورة آل عمران
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
[ آل عمران : 49 ] .
فكان جواب الأستاذ الكاتب الكبير على ذلك : " الحاوي يعمل أكثر من كده ! " .
وهنا لم أطق صبرا ، فقلت : معاذ اللّه أن يكون ذلك أيها الرجل ، ومعاذ اللّه أن يكون أنبياء اللّه ورسله ممخرقين " حواة " يضحكون على أممهم بما يضحك به الحاوي على المتفرجين برؤيته ، وإن ما ذكرته في قصة موسى لا يتفق مع المعقول ولا المنقول .