قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير والضّحّاك : كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إذا نزل عليه القرآن عجّل بتحريك لسانه لحبّه إيّاه ، فنهاه اللّه عن ذلك . والتّحريك : تغيير الشّيء من مكان ، أو من جهة إلى جهة بفعل الحركة فيه ، والحركة : ما به يتحرّك المتحرّك . والمتحرّك هو المنتقل من جهة إلى غيرها . واللّسان : آلة الكلام . والعجلة : طلب عمل الشّيء قبل وقته الّذي ينبغي أن يعمل فيه ، ونقيضه الإبطاء ، والسّرعة : عمل الشّيء في أوّل وقته الّذي هو له ، وضدّه الأناة .
وقوله :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
، قال ابن عبّاس والضّحّاك : معناه إنّ علينا جمعه في صدرك ، وقراءته عليك حتّى يمكنك تلاوته . وقال قتادة : معناه إنّ علينا جمعه في صدرك وتأليفه على ما نزل عليك . وقال ابن عبّاس في رواية أخرى : إنّ معناه إنّ علينا بيانه من حلاله وحرامه بذكره لك .
وقال قتادة : معناه نذكر أحكامه ونبيّن لك معناه إذا حفظته .
وقال البلخيّ : الّذي أختاره أنّه لم يرد القرآن ، وإنّما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة ؛ لأنّ ما قبله وبعده يدلّ على ذلك ، وليس فيه شيء يدلّ على أنّه القرآن ، ولا على شيء من أحكام الدّنيا ، وفي ذلك تقريع للعبد وتوبيخ له حين لا تنفعه العجلة . والقرآن من الضّمّ والتّأليف ؛ قال عمرو بن كلثوم :
ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللّون لم تقرأ جنينا
أي لم تضمّ رحما على ولد .
وقوله :
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
قال ابن عبّاس : معناه إذا قرأناه - أي تلوناه - فاتّبع قراءته بقراءتك ، وقال قتادة والضّحّاك : معناه بأن يعمل بما فيه من الأحكام والحلال والحرام .
وقيل : معناه فإذا قرأه جبرائيل عليك فاتّبع قراءته . والاتّباع : مراجعة الثّاني للأوّل في ما يقتضيه ، ومثله الاقتداء والاحتذاء والائتمام ، ونقيضه الخلاف . والبيان : إظهار المعنى للنّفس بما يتميّز به من غيره ، بأنّ الشّيء يبيّن إذا ظهر وأبانه غيره ، أي أظهره بيانا وإبانة ، ونقيض البيان الإخفاء والإغماض .
وقال قتادة :
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
معناه إنّا نبيّن لك معناه إذا حفظته . ( 10 : 195 - 197 )