والجاهليّة وأرجاسها في الوأد والبغاء والرّبا والزّنى ، وقتل الأولاد خشية الفقر ، وأكل التّراث وحبّ المال ، ووراثة النّساء كرها بما صرّح به القرآن في آيات عديدة ، ومواضع كثيرة من سوره « 1 » .
ألا يتناسب مع هذا الخليط العجيب من الدّيانات المحرّفة وتعدّد الآلهة ، أن يبدأ الوحي بنداء التّوحيد لأوّل مرّة ، وقد كان ذلك كذلك ، فاستنقذ النّاس من عبوديّة الفكر واسترقاق النّفوس ، واتّجه بها إلى عبادة اللّه الواحد القهّار ، وهي عبادة تجمع إلى راحة الضّمير صدق العبوديّة دون إذلال ، وصحّة الاعتقاد دون انحراف ، ابتعادا عن الخرافات والأساطير والمتاهات .
وكان من الجدير بعد هذه الاستجابة أن يتمّ تشريع الصّلاة ؛ لأنّها تتضمّن التّوحيد والعبادة بوقت واحد .
وحينما اتّجهت القلوب للّه بدأ تطهير النّفوس بالخلق والأدب والصّفاء الرّوحي والإيثار ، وكان كذلك منطلق الوحي بتعليماته الواحدة تلو الأخرى .
7 - واشتدّ الأذى بالمسلمين ، فكانت قصص الغابرين إيذانا بحرب نفسيّة ، فما هم عنها ببعيد :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى
« 2 » .
وكانت أحاديث الأنبياء مع أممهم ، واستقراء أحوالهم في العذاب نذيرا بما قد يصيب العرب نتيجة التّكذيب ، والأمور تقاس بأضرابها :
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
« 3 » .
وهكذا الحال في كلّ من قوله تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ
،
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ
،
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
« 4 » .
هامش
( 1 ) - أنظر على سبيل المثال العادات الجاهليّة كما يصورّها القرآن : النّساء / 19 ، 20 ، 21 ، 22 ، 23 ، 38 ، 127 ، الأنعام / 140 ، النّور / 33 ، الفجر / 17 ، 18 ، 19 ، 20 .
( 2 ) - النّجم / 50 - 51 .
( 3 ) - القمر / 18 - 20 .
( 4 ) - القمر / 23 ، 33 ، 41 .