واستفتوه في النّساء ، واستفتوه في الكلالة ، فأفتاهم الوحي عن اللّه . ووقع الظّهار والإيلاء وحادثة الإفك ، وغنموا في الحرب ، وحصل الزّنى ، ونزلت السّرقة ، وبدأ القتل العمد والقتل الخطأ ، وهي حوادث متعدّدة في أزمنة متعدّدة ، وقد نزلت أحكامها المتعدّدة ، وهكذا .
إنّ الإحصاء الدّقيق لهذه الجزئيّات قد لا ينتهي إلّا بصفحات كبيرة لا يتّسع لها هذا البحث ، وفيما أشرنا له غنيّة في التّمثيل التّطبيقيّ .
11 - وهناك ملحظ جدير بالأهميّة في الوحي التّدريجيّ ، يعود إلى التّنزيل نفسه ؛ ليحكم فيه على ناحيتين :
الأولى : أنّه ليس من كلام البشر ، وإنّما هو من كلام اللّه وحده ، وذلك أنّ هذه المراحل المتعدّدة الّتي مرّ فيها ، لم يحصل فيه تفاوت في الأسلوب البيانيّ ، فهو في الأوّل نفسه في الوسط والآخر ، ومع كثرة الأحداث وتعدّد المسئوليّات في بيان الأحكام ، وتدارك النّوازل ، واستيعاب المشكلات ، لم يبد فيه - ولو مرّة واحدة - أيّ اختلاف وتناقض ، ولو كان من كلام البشر ، لحصل فيه التّفاوت والتّناقض معا ، وصدق اللّه تعالى حيث يقول :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » .
الثّانية : أنّ قليل هذا التّنزيل وكثيره هو الدّليل المتعاقب - مرّة بعد مرّة - على نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ؛ لأنّ مراعاة المناسبة ، والعقل في الأمر الجلل ، والتّحدّث عن الغيب المطلق ، كلّ ذلك بتحديد قاطع ، وحجّة لا تقبل جدلا ، لا يمكن أن يكون إلّا من قبل اللّه تعالى ؛ لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أمّيّ يفقد أدنى ما يمكن أن يتمتّع به غيره من النّاس الاعتياديّين في القراءة والكتابة ، فكيف إذن بمسائل التّشريع ، وإخبار الغيب ، وقضايا السّاعة ، ومختلف الأحكام ، ولم يسبق له أن مارس قبل بعثته أيّ نوع من أنواع الثّقافة والمعرفة الّتي تتناسب مع هذا العطاء المتواصل من الوحي ، وفي هذه القضيّة الخارجة عن مقدرة النّبيّ تأكيد لقوله تعالى :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
« 2 » . ( ص : 37 - 49 )
هامش
( 1 ) - النّساء / 82 .
( 2 ) - الحاقّة / 44 - 47 .