التّدرّج ، فهي تقتضي التّدرّج كما اقتضتها ، ابتداء بخلق السّماوات والأرض والأفلاك وما فيهن وما بينهنّ ، وانتهاء بخلق الإنسان وحياته وأطواره ونشوئه ومماته وتلاشيه وإعادته حيّا ، وإثابته أو عقابه .
والسّنن الطّبعيّة في الحياة تلتقي بالسّنن الرّوحيّة في القرآن ، فمصدرهما واحد ، وهو تلك القوّة الخلّاقة المبدعة المدبّرة ، وهي كما تستطيع أن تحكم الأمر فجأة كلمح البصر
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
« 1 » ، فهي كذلك تستمهل وتتدرّج وفقا لمصالح الكون ، وتنظر لشؤون الحياة ، وكان التّدرّج في نزول القرآن من هذا الباب .
4 - وما التّدرّج في نزول القرآن إلّا دليل من أدلّة إعجازه البيانيّة ، فما نزل منه لم يكن بادئ الأمر إلّا سورا قصيرة ، وآيات متناثرة تناثر النّجوم ، وهو بهذا القدر الضّئيل ينادي بالتّحدّيّ ، فدلّ على إعجازه في ذاته مع محاولة تقليده ومضاهاته ، سواء أكان جزء أم كلّا . فقليله معجز ، وكثيره معجز ، ولقد وقع هذا التّحدّي في مكّة على هذا القليل فما نالوه ، ووقع في المدينة وهو متكامل بنفس المنظور ، وبناء على هذا التّأسيس فقد كان التّدرّج في النّزول مصاحبا لعمليّة الإعجاز ، ودليلا من أدلّتها النّاطقة ، وهو بعد مشعل هداية في السّعي والعمل والمثابرة .
5 - وهنالك ملحظ جدير بالأهميّة في هذا النّزول التّدريجيّ ، هو إحكام الأمر وإبرام العقد ، وهذا الإحكام وذلك الإبرام يتمثّل بعمليّة صياغة النّفوس في إطار جديد ، فهي على قرب عهد من الجاهليّة بأعرافها ومفاهيمها وأخطائها ، والنّقلة الفوريّة ليست خطوة عمليّة في التّغيير الاجتماعيّ الّذي أرادته رسالة القرآن ، فمن عزم الأمور - إذن - أن تستجيب النّفوس لهذا التّغيير الجذريّ ، ولكن لا على أساس المفاجئة الخطرة ، الّتي قد تولّد ردّة فعل مضادّة تطوح بكلّ شيء ، بل تقليص القيم القديمة شيئا فشيئا ، وتضييعها جزء فجزء ، لتتلاشى في نهاية المطاف ، وتختفي عن صرح الاجتماع . وخير دليل على ذلك مسألة تحريم الخمرة ؛ إذ ارتبطت بالعرب أدبيّا واجتماعيّا ونفسيّا واقتصاديّا ، وهي جوانب متعدّدة ، أباحت هذا الإدمان المستحكم عند العرب ، فلو حرّمت دفعة واحدة لكفر
هامش
( 1 ) - القمر / 50 .