كلّ سوأة ، فالدّسائس تحاك ، والأراجيف تروّج ، والأباطيل تلوكها الألسن ، فما كان من القرآن إلّا أن تعقّبهم بالّتي هي أحسن تارة ، وبالإنذار تارة أخرى ، وبالتّقريع والتّوبيخ وغيرهما ، فكان الوعيد على أشدّة ، والإغراء بهم على وشكّ الوقوع ، وقد عالج القرآن مشكلتهم ، وسلّط الأضواء على تحرّكاتهم ، وتربّصهم الدّوائر بالإسلام ، وصوّر حالتهم النّفسيّة والخلقيّة الجماعيّة والفرديّة ، وأبان واقعهم الدّنيويّ ومآلهم الأخرويّ ، وقد جاء ذلك متراصفا في سور عديدة ؛ لمعالجة كلّ حالة بإزائها ، فكانت سورة البقرة وآل عمران والنّساء والمائدة والأنفال والتّوبة والعنكبوت والأحزاب والفتح والحديد والحشر والمنافقون والتّحريم ، ميادين فارهة في تعقيب ظاهرة النّفاق وحقيقة المنافقين ، فكان ذلك سمة لهم لا تبلى .
ولا نريد أن نطيل أكثر فأكثر في هذا الجانب وسواء ، فهو بديهيّ لاستكمال الرّسالة وضرورة تطبيقها ، ومواكبة الوحي لهذه الأحداث والأزمات والمؤشّرات دليل على أصالة هذا المنهج المتناسب تأريخيّا وزمنيّا مع مرحليّة الظّروف .
10 - وهناك العلاقة الثّنائيّة بين الوحي والنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وهناك التّجاوب المطلق بينهما ، وكان تحقّق ذلك في التّدرّج بالنّزول ، وكانت الأزمات - وهي تحاول أن تعصف بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله - تضرب فجأة بإرادة الوحي الإلهيّ ، فهو إلى جنبه يشدّ عزمه ، ويقوّي أسره ، ويسلّيه تارة ، ويعزّيه تارة أخرى ، ويصبّره ويؤسّيه فيما يقتصّ له من الأنباء ، وما يورده من الصّبر ، وما يحدّده من الأحكام ، مفرّقا بين الحقّ الثّابت الرّصين ، والباطل المتزعزع الواهن ، وفي ذلك تثبيت له على المثل ، وتحريض له على المثابرة ، وإعلام له بالنّصر ؛ لأنّها سنّة اللّه مع رسله وأنبيائه .
وهناك أسئلة تتطلّب الإجابة المحدّدة ، وحوادث تستدعي القول الفصل ، ولا يضمن هذا إلّا الوحي فيما ينزل به ، فقد سألوه عن الخمر والميسر ، وسألوه عن المحيض ، وسألوه عن القتال في الأشهر الحرم ، وسألوه عن الأهلّة ، وسألوه عن السّاعة ، وسألوه عن الرّوح ، وسألوه عن الأنفال ، وسألوه عن الجبال ، وسألوه عن ذي القرنين وهكذا ، فتصدّر الوحي للإجابة الفاصلة .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 698
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٦٩٨