بهذا التّحريم ، ولضاعت فرصة التّغيير الاجتماعيّ ، ولكنّ الوحي تلبّث وترصّد وتأنّى ، فجاء بالأمر في خطوات متعاقبة شملت بيان المنافع والمضارّ والمآثم ، وتدرّجت إلى النّهي عن اقتراب الصّلاة
وَأَنْتُمْ سُكارى
، وانتهت إلى التّحريم النّهائيّ :
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ . . .
« 1 » .
6 - ولنقف بهذا الجانب الحسّاس والمؤثّر على صلب الموضوع من بدايته قبل النّظر في التّطبيق .
كانت الجزيرة العربيّة بعامّة ، ومكّة المكرّمة بخاصّة ، تتجاذبهما عقائد شتّى ، فالصّابئة لها طقوسها المختلطة من ابتداعات وشعائر ترتبط بالكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضيّة « 2 » . وما امتزج من عاداتهم في مذاهب قريش في الوثنيّة وعبادة الملائكة ، ومراسم الحجّ .
والمسيحيّة وما صاحب مبادئها من تحريف مزدوج ، وتغيير مفاجئ ، فبدل التّسامح الدّينيّ الّذي اشتهرت به تعاليم السيّد المسيح ، والزّهد في الحياة بكلّ مظاهرها ، استخدم المسيحيّون في إرضاء شهواتهم كلّ وسائل العبث والتّرف والقسوة ، فمن عزلة مصطنعة إلى تزمّت مفتعل ، ومن تثليت لا يستقيم إلى وثنيّة مستهجنة ، ومن تمسّك باللّاهوت إلى ابتزاز للحرّيّة ، كلّ ذلك يتراصف نماؤه بين أوهام موروثة وخرافات مستجدة .
واليهوديّة بما كان يكتنفها من غموض في ستر العلم وتحريف للكلم عن مواضعه ، واستيعاب لاستحصال المال ، وجمع الثّروة عن طريق الخيانة والرّبا والاحتكار .
والحنفيّة وهي أسلم الأديان آنذاك عن الدّسّ والتّحريف الكبيرين ، فقد أدخل عليها مع ذلك تزييف في بعض الوقائع ، ومغالطة في طقوس الحجّ ومتابعة الوثنيّة ، وارتباط قسم من العرب بها على أساس من التّعصّب للأخطاء الموروثة في تألية الملائكة وتأنيثها ، وعبادة الأصنام وتقديسها ، ورؤية الشّمس والقمر والكواكب بمنظار الأرباب .
هامش
( 1 ) - المائدة / 90 .
( 2 ) - أنظر جزء من عقائد الصّابئة - محمّد عبد اللّه دراز - مدخل إلى القرآن الكريم ( 132 ) وما بعدها .