تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 692

مساهمون:

ص٦٩٢
واحدة ، ثمّ ينزل على مواقع النّجوم إرسالا في الشّهور والأيّام ، وهو رأي ابن عبّاس « 1 » . إلّا أنّ ظاهر الآيات أنزل القرآن جملة ، ويؤيّده التّعبير بالإنزال الظّاهر في اعتبار الدّفعة ، دون التّنزيل الظّاهر في التّدرّج ، فمدلول الآيات أنّ للقرآن نزولا جمليّا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله غير نزوله التّدريجيّ الّذي تمّ في ثلاث وعشرين سنة « 2 » . لقد أكّد هذا المعنى من ذي قبل ابن عبّاس بقوله : إنّه أنزل في رمضان ، وفي ليلة القدر ، وفي ليلة مباركة جملة واحدة ، ثمّ أنزل بعد ذلك على مواقع النّجوم رسلا في الشّهور والأيّام « 3 » . ومهما يكن من أمر ، فلا ريب بنزوله مفرّقا ومنجّما ؛ ليثبت إعجازه في كلّ اللّحظات ، ولينضح بتعليماته بشتّى الظّروف ، في حين يعترض فيه الكفرة على هذا النّزول :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 4 » . ولكنّ الرّد كان حاسما ؛ لأنّ الوحي إذا تجدّد في كلّ حادثة ، كان أقوى للعزم ، وأثبت للفؤاد ، وأدعى للحفظ والاستظهار ، وأشدّ عناية بالمرسل إليه ، فلا يغيب عنه إلّا ويهبط عليه ، ولا يودعه حتّى يستقبله ، وذلك يستلزم كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به ، وبما معه من الرّسالة ، وهو مضافا إلى العطاء الرّوحيّ ، ذو عطاء نفسيّ تهذيبيّ بالنّسبة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السّلام عليه فيه « 5 » . وناهيك في أسرار تعدّد النّزول حكمة ويقينا واستمرارا لجدّة القرآن ، وحضوره في زخمة الأحداث ، وتجدّد الوقائع ، وطبيعة الرّسالة المتدرّجة في تعاليمها من الأسهل إلى السّهل ، ومن السّهل إلى الصّعب ، ومن الكلّيّات العامّة إلى التّفصيلات الجزئيّة . والوحي ينظر إلى النّاس باعتبارهم الهدف الرّئيسيّ من تنزيل القرآن قصد هدايتهم ، ورجاء إثابتهم إلى الحقّ ، فاهتمّ بهذا العنصر في سبب النّزول مفرّقا ، وصرّح بذلك سبحانه
هامش
( 1 ) - مجمع البيان 1 : 276 . ( 2 ) - الميزان 20 : 330 . ( 3 ) - الأسماء والصّفات : 236 . ( 4 ) - الفرقان / 32 . ( 5 ) - المرشد الوجيز : 28 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 692 | السيد علي الموسوي الدارابي