أصوله ووصوله من ينابيعه الأولى ، وهو موضوع البحث .
يكاد أن يتوافر لنا اقتناع نطمئنّ إليه بأنّ أوائل سورة العلق هو أوّل ما نزل من القرآن .
ومنشأ هذا الاقتناع تأريخيّ وعقليّ ، أمّا التّأريخيّ فمصدره إجماع المفسّرين تقريبا ، ورواة الأثر ، وأساطين علوم القرآن « 1 » . وأمّا العقليّ فالقرآن أنزل على أمّيّ لا عهد له بالقراءة ؛ ليبلّغه إلى أمّيّين لا عهد لهم بالتّعلّم ، فكان أوّل طوق يجب أن يكسر ، وأوّل حاجز يجب أن يتجاوز ، هو الجمود الفكريّ والتّقوقع على الأوهام ، وما سبيل ذلك إلّا الافتتاح ، بما يتناسب مع هذه الثّورة ، وقد كان ذلك بداية للرّسالة بهذه الآيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ . . .
إلى
ما لَمْ يَعْلَمْ
« 2 » .
إنّها الدّعوة الفطريّة إلى العلم والإيمان بوقت واحد ، والبداية الطّبيعيّة لملهم هذا العلم ، ورائد وسيلة التّعلّم ، فهو إرهاص بإيمان سيشعّ ، وإشعار بإفاضات ستنتشر ، مصدرها الخالق ، وأداتها القلم ؛ لارتياد المجهول ، واكتشاف المكنون ، والقرآن كتاب هداية وعلم .
فلا ضير أن تكون أوائل العلق أوّل ما نزل ، وسياقها القرآنيّ لا يمنع من نزولها دفعة واحدة ، لا سيّما إذا وجدنا نصّا في أثر ، أو رواية من ثقة .
وأمّا ما حكاه ابن النّقيب في مقدّمة تفسيره ، وأخرجه الواحديّ عن عكرمة والحسن ، والضّحّاك عن ابن عبّاس من أوّل ما نزل من القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
« 3 » فلا ريب فيه ، ولا غبار عليه : فإنّه من ضرورة نزول السّورة نزول البسملة معها ، فهي أوّل آية نزلت على الإطلاق « 4 » .
وبدأت مسيرة الوحي تلقي بثقلها على عاتق الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله ، وفتح محمّد للنّداء السّماويّ
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
« 5 » ذراعا وقلبا وتأريخا . وهذا القول ثقيل
هامش
( 1 ) - الصّحيح 1 : 5 ، الباقلّانيّ - نكت الانتصار : 88 ، مجمع البيان 5 : 14 ، البرهان 1 : 206 ، الإتقان 1 : 68 وما بعدها .
( 2 ) - العلق / 1 - 5 .
( 3 ) - الإتقان 1 : 71 .
( 4 ) - المصدر نفسه 1 : 71 .
( 5 ) - المزّمّل / 4 .