أنّ الوحي القرآنيّ من أيّ من هذين النّحوين هو ، أو من كليهما ، ولا دلالة له على شيء من ذلك ، وحينئذ فيحتمل أن يكون الوحي القرآنيّ ممّا توسّط به جبريل . وأمّا ما لم يتوسّط فيه جبريل ، فهو الوحي الّذي جاءه صلّى اللّه عليه وآله في الموضوعات أو في غير القرآن المجيد ، ممّا يعبّر عنه ب « الأحاديث القدسيّة » .
وهذا الاحتمال بعد أن عضده الدّليل ، وأيّدته الشّواهد يكون هو المتعيّن ، ويخرج عن كونه احتمالا إلى كونه من الأمور المعتبرة والثّابتة .
ولا بدّ لنا أخيرا من الإشارة إلى أنّه قد روي في البحار بعد هذا الحديث مباشرة حديث آخر يرتبط فيما نحن فيه ، وهو عن العيّاشيّ ، عن عيسى بن عبد اللّه ، عن جدّه ، عن عليّ عليه السّلام ؛ قال : كان القرآن ينسخ بعضه بعضا . . . [ وذكر كما تقدّم عن البحرانيّ ثمّ قال : ]
ورواه أيضا الأمين الطّبرسيّ في تفسير سورة المائدة عن العيّاشيّ مع اختلاف يسير .
ولكنّ هذا الحديث لا يدلّ بنفسه على أنّ جبريل ليس متوسّطا بين اللّه والنّبيّ حين نزول سورة المائدة ؛ إذ لعلّها قد نزلت بواسطة جبريل أيضا .
اللّهم إلّا أن نستظهر عدم وساطة جبريل فيها بمعونة غيرها من الرّوايات ، كأن نستظهر ذلك من عروض ما يشبه الإغماء العارض للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والثّقل ؛ حيث أنّ الأخبار الّتي سبق بعضها تدلّ على أنّ الوحي إذا نزل بواسطة جبريل لم يحصل له ثقل ولا ما يشبه الإغماء ، وإذا كان بدونه تصيبه صلّى اللّه عليه وآله تلك السّبتة .
هذا بالنّسبة إلى الدّلالة في هذه الرّواية مع الإغماض عن أمور أخرى يطول بذكرها المقام .
وأمّا بالنّسبة إلى سندها فليس من القوّة بحيث يثبت هذا المطلب المخالف لظاهر آيات كثيرة تقدّمت ، فإنّ الرّواة الّذين هم بين العيّاشيّ وعيسى بن عبد اللّه لم يصرّح بأسمائهم ، حتّى نعرف أنّهم واجدون لشرائط اعتبار أقوالهم أم لا ، وهذا يكفي وحده وهنا في هذه الرّواية ، وإسقاطها عن درجة الاعتبار .
وهكذا فإنّ النّتيجة تكون أنّ جبريل كان واسطة في نزول تمام القرآن على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الطّيبين الطّاهرين . ( ص : 9 - 17 )
نصوص في علوم القرآن — صفحة 670
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٦٧٠