وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
، ونحو ذلك من الآيات الّتي نسب فيها التّنزيل إلى اللّه لا إلى جبريل .
وذلك لأنّ الفعل كما يصحّ إسناده إلى المباشر المختار ، كذلك يصحّ نسبته وإسناده إلى السّبب ، فالوجه في إسناد الفعل إلى اللّه تعالى هو أنّه سبب ، وإلى جبريل هو أنّه المباشر المختار . . .
وإلّا فإنّ وساطة جبريل في الجملة ممّا لا ريب فيه ، فإسناد تنزيل جميع القرآن إلى اللّه تعالى لا تصحّ على إطلاقها أيضا .
ومن ذلك يعلم أنّ الوجه في نسبة تنزيل القرآن تارة إلى اللّه تعالى ، وأخرى إلى جبريل عليه السّلام هو ما ذكرنا .
مناقشة
هذا ولا بدّ هنا من الإشارة إلى ما ربّما يقال : من أنّه لم لا يلتزم بالتّبعيض ، بمعنى وساطة جبريل في بعض آيات القرآن لا في جميعها ؟
ولكنّ ذلك لا يمكن الالتزام به ؛ حيث أنّه لا دليل عليه ولا شاهد له ، سوى ما يتوهّم من الأخبار الدّالّة على أنّ نزول الوحي كان على نحوين :
أحدهما : ما كان جبريل واسطة فيه بين النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبين اللّه تعالى . والآخر : ما كان بلا واسطة شيء أصلا .
فمن هذه الأخبار ما رواه في البحار عن المحاسن بسند صحيح ، عن هشام بن سالم ؛ قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا أتاه الوحي من اللّه ، وبينهما جبريل ، يقول :
هو ذا جبريل ، وقال لي جبريل ، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبريل تصيبه تلك السّبتة ، ويغشاه لثقل الوحي عليه من اللّه عزّ اسمه « 1 » .
ولكنّ هذا الحديث لا يكفي لإثبات ما يراد إثباته هنا ، وذلك لأنّه في صدد بيان أنّ الوحي كان على نحوين ، أحدهما : بواسطة جبريل ، والآخر : بدونه ، وليس في صدد بيان
هامش
( 1 ) - البحار 18 : 271 .