بتدرّج وخلال فترات متقطّعة من الزّمن حتّى يكون السّبيل إلى حفظه ووعيه أيسر . وعلى الرّغم من ذلك فقد كان من عادته صلّى اللّه عليه وسلم إذا نزلت عليه الآية من القرآن أن يأخذ في تكرارها ويستعجل في محاولة حفظها ويظلّ يحرّك لسانه بها خشية أن تتفلّت من حفظه إلى أن نزل عليه قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
« 1 » .
ثالثا : احتوى القرآن على متن الفقه الإسلاميّ كلّه ، أي على عامّة أحكامه في الجملة سواء ما يتعلّق بالعبادات أو المعاملات المدنيّة أو الأحوال الشّخصيّة أو العقوبات أو النّظم الدّستوريّة والماليّة .
وكان العرب قبل الإسلام متفلّتين عن كلّ قيد ، لا يخضعون لقانون ولا يرتبطون بأيّ تنظيم ، فكان من العسير عليهم أن ينتقلوا من تلك الحالة في طفرة مفاجأة ، إلى التّقيّد بعامّة أحكام الإسلام ونظمه وقوانينه .
فمن أجل ذلك أخذهم القرآن في ذلك بالوسيلة التّربويّة الّتي لا بدّ منها ، وهي وسيلة التّدرّج في نقلهم من حياة الفوضى والتّفلّت ، إلى حياة النّظام والتّقيّد بالمعايير الّتي لا بدّ منها في المجتمع الصّالح . فنزلت أوّلا الآيات المتعلّقة بالعقيدة ودلائلها ، حتّى إذا آمن النّاس وثابوا إلى عقيدة التّوحيد ، نزلت آيات الحلال والحرام وعامّة الأحكام في مهل وتدرّج . [ ثمّ ذكر رواية عائشة عن البخاريّ كما سيجيء عنه في أوّل ما نزل ] .
رابعا : اقتضت حكمة اللّه تعالى أن تكون عامّة أحكامه الّتي تضمّنها كتابه المبين ، جوابا عن أسئلة أو حلّا لمشكلات واقعة ، حتّى تكون أوقع في النّفس وألصق بالحياة .
وتلك وسيلة تربويّة ظاهرة لا تحتاج إلى مزيد بيان لها . وإنّما سبيل ذلك أن تتدرّج هذه الأحكام وآياتها في النّزول تنتظر مناسباتها وظروفها .
ولذلك نجد أنّ الكثير من آي القرآن إنّما نزل جوابا عن سؤال أو حلّا لإشكال ، فمن الأوّل قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ . . .
« 2 »
هامش
( 1 ) - القيامة / 16 .
( 2 ) - البقرة / 220 .