ونسب القرطبيّ إلى الصّحابة « 1 » : إنّهم كانوا يعلمون انتهاء السّورة ، وابتداء غيرها ، بنزول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .
فيكون نزول السّورة مستمرّا إلى أن تنزّل البسملة .
وبذلك يعلم عدم صحّة رواية الشّعبيّ ، الّتي تقول : إنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يكتب أوّلا : باسمك اللّهم - كأهل الجاهليّة - ، فلمّا نزل :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
« 2 » ، كتب : بسم اللّه . ثمّ نزل :
ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
« 3 » ؛ فكتب : بسم اللّه الرّحمن ، فلمّا نزل :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
« 4 » ، فكتبها « 5 » .
أضف إلى ذلك كلّه . أنّنا لا نتعقّل أن يبدأ نزول سورة ، فتنزّل منها آيات ، ثمّ يتوقّف عنها ، فتنزّل عشرات السّور غيرها ، ثمّ يعود بعد سنوات إلى السّورة الأولى ، فيكمّلها ! !
كما أنّنا لا نتعقّل أن تنزّل آية ، أو آيات اليوم ، فيتركها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على حدة ، إلى أن تمضي سنوات ، وتنزّل سور كثيرة ، ثمّ يجعلها في سور أنزلت حديثا .
نعم يمكن أن تنزّل عليه آية أو آيات فعلا ، فيأمر بوضعها ، ضمن سورة سبق نزولها ، لكن هذا : لا دليل عليه إلّا بعض ما ورد في مورد أو موردين من هذا القبيل . . .
ولعلّ ترتيب عليّ عليه السّلام لمصحفه ، حسب النّزول ، يلقي ظلالا من الشّكّ على صحّة حتّى هذا المورد . فضلا عن أن يكون ذلك من عادته وديدنه صلّى اللّه عليه وآله إذ لو كان صلّى اللّه عليه وآله يأمر بذلك لم يكن معنى لترتيبه صلّى اللّه عليه وآله القرآن حسب النّزول ولا كان من حقّه ذلك أيضا .
ولعلّه يمكن الاستدلال على ما نذهب إليه أيضا بقوله تعالى :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها
هامش
( 1 ) - الجامع لأحكام القرآن 1 : 65 .
( 2 ) - هود / 41 .
( 3 ) - الإسراء / 110 .
( 4 ) - النّمل / 30 .
( 5 ) - التّفسير الكبير 1 : 200 ، والجامع لأحكام القرآن 1 : 92 ، وأحكام القرآن للجصّاص 1 : 8 ، وراجع : السّيرة الحلبيّة 3 :
20 و 1 : 249 ، والوزراء والكتّاب : 14 ، والتّنبيه والأشراف : 225 ، وعمدة القاري 5 : 291 ، والعقد الفريد 4 : 158 ، وطبقات ابن سعد 1 : قسم 2 ، وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه : 53 ، وأكذوبة تحريف القرآن : 35 عن بعض من تقدّم ، وعن كنز العمّال 5 : 244 ، وعن روح المعاني 1 : 27 .