لا تنتظم حبّاتها في كتاب واحد سلس العبارة ، يأخذ بعضه برقاب بعض ، في وحدة وترابط بمثل ما عليه القرآن الكريم أو ما يدانيه اتّساقا وانسجاما . فكيف بكلام سائر البشر وأحاديثهم :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 1 » .
الاستفادة من نزول القرآن منجّما في التّربية والتّعليم
تعتمد العمليّة التّعليميّة على أمرين أساسيّين : مراعاة المستوى الذّهني للطّلّاب ، وتنمية قدراتهم العقليّة والنّفسيّة والجسميّة بما يوجّهها وجهة سديدة إلى الخير والرّشاد .
ونحن نلحظ في حكمة نزول القرآن منجّما ما يفيدنا في مراعاة هذين الأمرين على النّحو الّذي ذكرناه آنفا ، فإنّ نزول القرآن الكريم تدرّج في تربية الأمّة الإسلاميّة تدرّجا فطريّا لإصلاح النّفس البشريّة ، واستقامة سلوكها ، وبناء شخصيّتها ، وتكامل كيانها ، حتّى استوت على سوقها ، وآتت أكلها الطّيّب بإذن ربّها لخير الإنسانيّة كافّة .
وكان تنجيم القرآن خير عون لها على حفظه وفهمه ومدارسته وتدبّر معانيه ، والعمل بما فيه .
وبين نزول القرآن في مطلع الوحي بالقراءة والتّعليم بأداة الكتابة :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
« 2 » ، ونزول آيات الرّبا والمواريث في نظام المال ، أو نزول آيات القتال في المفاصلة التّامة بين الإسلام والشّرك ، وبين ذاك وهذا مراحل تربويّة كثيرة لها أساليبها الّتي تلائم مستوى المجتمع الإسلاميّ في تدرّجه من الضّعف إلى القوّة ، ومن القوّة إلى شدّة البأس .
والمنهج الدّراسيّ الّذي لا يراعى فيه المستوى الذّهنيّ للطّلّاب في كلّ مرحلة من مراحل التّعليم ، وبناء جزئيّات العلوم على كلّيّاتها والانتقال من الإجمال إلى التّفصيل ، أو لا يراعي تنمية جوانب الشّخصيّة العقليّة والنّفسيّة والجسميّة منهج فاشل ، لا تجني منه
هامش
( 1 ) - انظر هذه الحكمة في مناهل العرفان للزّرقانيّ : 54 . الإسراء / 88 .
( 2 ) - العلق / 1 - 5 .