ما كان إلّا يسيرا حتّى نزلت هاتان الآيتان :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ . . .
« 1 » ، فما صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على منافق بعد حتّى قبضه اللّه عزّ وجلّ « 2 » .
وحين تخلّف نفر من المؤمنين الصّادقين في غزوة تبوك ، وأقاموا بالمدينة ، ولم يجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لديهم عذرا هجرهم وقاطعهم حتّى ضاقوا ذرعا بالحياة ، ثمّ نزل القرآن لقبول توبتهم :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
إلى قوله :
هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
« 3 » .
ويشير إلى هذا ما روي عن ابن عبّاس في نزول القرآن : ونزّله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم « 4 » .
5 - الحكمة الخامسة
الدّلالة القاطعة على أنّ القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد : إنّ هذا القرآن الّذي نزل منجّما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في أكثر من عشرين عاما تنزّل الآية أو الآيات على فترات من الزّمن ، يقرأه الإنسان ويتلو سوره فيجده محكم النّسج ، دقيق السّبك ، مترابط المعاني ، رصين الأسلوب ، متناسق الآيات والسّور ، كأنّه عقد فريد نظمت حبّاته بما لم يعهد له مثيل في كلام البشر :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 5 » . ولو كان هذا القرآن من كلام البشر قيل في مناسبات متعدّدة ، ووقائع متتالية ، وأحداث متعاقبة ، لوقع فيه التّفكّك والانفصام ، واستعصى أن يكون بينه التّوافق والانسجام :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 6 » .
فأحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - وهي في ذروة الفصاحة والبلاغة بعد القرآن الكريم -
هامش
( 1 ) - التّوبة / 84 - 85 .
( 2 ) - أخرجه البخاريّ وأحمد والنّسائيّ والتّرمذيّ وابن ماجة وغيرهم .
( 3 ) - من حديث طويل أخرجه البخاريّ ومسلم وغيرهما ، والثّلاثة هم : كعب بن مالك ، وهلال بن أميّة ، ومرارة بن الرّبيع ، وكلّهم من الأنصار . التّوبة / 117 - 118 .
( 4 ) - أخرجه الطّبرانيّ والبزّاز عن ابن عبّاس ، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر .
( 5 ) - هود / 1 .
( 6 ) - النّساء / 82 .