التّشريع حسب المقتضيات أصلا بعد آخر .
لقد كان القرآن الكريم بادئ ذي بدء يتناول أصول الإيمان باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنّة ونار ، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين ، حتّى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنيّة ، ويغرس فيها عقيدة الإسلام .
وكان يأمر بمحاسن الأخلاق الّتي تزكو بها النّفس ، ويستقيم عوجها ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ، ليقتلع جذور الفساد والشّرّ . ويبيّن قواعد الحلال والحرام الّتي يقوم عليها صرح الدّين ، وترسو دعائمه في المطاعم والمشارب والأموال والأعراض والدّماء .
ثمّ تدرّج التّشريع بالأمّة في علاج ما تأصل في النّفوس من أمراض اجتماعيّة ، بعد أن شرع لهم من فرائض الدّين وأركان الإسلام ما يجعل قلوبهم عامرة بالإيمان ، خالصة للّه ، تعبده وحده لا شريك له .
كما كان القرآن يتنزّل وفق الحوادث الّتي تمرّ بالمسلمين في جهادهم الطّويل لإعلاء كلمة اللّه .
ولهذا كلّه أدلّته من نصوص القرآن الكريم إذا تتبّعنا مكّيه ومدنيّه وقواعد تشريعه .
ففي مكّة شرّعت الصّلاة ، وشرّع الأصل العامّ للزّكاة مقارنا بالرّبا :
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ . . .
« 1 » .
ونزلت سورة الأنعام - وهي مكّية - تبيّن أصول الإيمان ، وأدلّة التّوحيد ، وتندّد بالشّرك والمشركين ، وتوضّح ما يحلّ وما يحرم من المطاعم ، وتدعو إلى صيانة حرمات الأموال والدّماء والأعراض :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . .
الآيتين ، « 2 » ، ثمّ نزل بعد ذلك تفصيل هذه الأحكام .
فأصول المعاملات المدنيّة نزلت بمكّة ، ولكن تفصيل أحكامها نزل بالمدينة ، كآية المداينة وآيات تحريم الرّبا .
هامش
( 1 ) - الرّوم / 38 - 39 .
( 2 ) - الأنعام / 151 - 152 .