تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
« 1 » . فهذه الآيات ناطقة بأنّ القرآن الكريم كلام اللّه بألفاظه العربيّة ، وأنّ جبريل نزل به على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنّ هذا النّزول غير النّزول الأوّل إلى سماء الدّنيا ، فالمراد به نزوله منجّما ، ويدلّ التّعبير بلفظ التّنزيل دون الإنزال على أنّ المقصود النّزول على سبيل التّدرّج والتّنجيم ، فإنّ علماء اللّغة يفرّقون بين الإنزال والتّنزيل ، فالتّنزيل لما نزل مفرّقا ، والإنزال أعمّ « 2 » . وقد نزل القرآن منجّما في ثلاث وعشرين سنة ، منها ثلاث عشرة بمكّة على الرّأي الرّاجح ، وعشر بالمدينة ، وجاء التّصريح بنزوله مفرّقا في قوله تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 3 » ، أي جعلنا نزوله مفرّقا كي تقرأه على النّاس على مهل وتثبّت ،
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
بحسب الوقائع والأحداث . أمّا الكتب السّماويّة الأخرى - كالتّوراة والإنجيل والزّبور - فكان نزولها جملة ، ولم تنزّل مفرّقة ، يدلّ على هذا قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 4 » فهذه الآية دليل على أنّ الكتب السّماويّة السّابقة نزلت جملة ، وهو ما عليه جمهور العلماء ، ولو كان نزولها مفرّقا لما كان هناك ما يدعو الكفّار إلى التّعجّب من نزول القرآن منجّما ، فمعنى قولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
، هلّا أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب ؟ وما له أنزل على التّنجيم ؟ ولم أنزل مفرّقا ؟ ولم يرد اللّه عليهم بأنّ هذه سنته في إنزال الكتب السّماويّة كلّها ، كما ردّ عليهم في قولهم :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
« 5 » بقوله :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
« 6 »
هامش
( 1 ) - البقرة / 97 . ( 2 ) - مفردات الرّاغب . ( 3 ) - الإسراء / 106 . ( 4 ) - الفرقان / 32 . ( 5 ) - الفرقان / 7 . ( 6 ) - الفرقان / 20 .